عبد الوهاب العريض

«مكان ما في مكان ما»، هذا هو الموقع الذي تمارس فيه التشكيلية البحرينية بلقيس فخرو فنها، إذ إنها تنطلق من المكان وتذهب في أعماقه ثقافة وفكراً وعطاء فنياً. 45 عاماً وهي تشارك في المعرض السنوي لمملكة البحرين، وقد درست الفلسفة وعلم النفس والفنون الجميلة وكذلك تاريخ الفن، وعملت أستاذة للفنون الجميلة في جامعة البحرين لفترة من الزمن، ثم واصلت نشاطاتها الفنية التي حصدت من خلالها العديد من الجوائز مثل: جائزة السعفة الذهبية من بينالي الكويت، وجائزة الدانة لأكثر من مرة عن مشاركتها في معرض البحرين السنوي للفنون التشكيلية.
انطلقت بلقيس فخرو في بدايتها من المدرسة الواقعية، ومن خلالها ذهبت للتجريدية متعمقة بروح المكان، فأصبحت ترسم المكان كما تراه في «أحلامها»! وعن مسيرتها الفنية والإبداعية كان لـ«الاتحاد الثقافي» هذا الحوار المفصل معها.

* هل يمكن أن تحدثينا عن بداية الشغف والتعلق بالفرشاة؟
 ** رافقتني الهواية منذ التعليم الابتدائي حيث كنت أرسم متخيلة أن هذا شيء طبيعي، وفي المرحلة الثانوية كنت أنقل لوحات بيكاسو من خلال الكتب التي كانت في مكتبة والدي، فبدأت بتقليد الأعمال في فترة الستينيات، وفي عام 1971 سافرت إلى لبنان بهدف الدراسة في الجامعة الأميركية فدرست الفلسفة وعلم النفس، ولظروف زواجي، قطعت الدراسة وتوجهت مع زوجي إلى الولايات المتحدة، وبدأت من جديد في الدراسة على الطريقة الأميركية، ولكني توجهت إلى كلية الفنون الجميلة، ومن بين المواد التي درستها تاريخ الفن، وأحببت هذه المادة وخاصة أنها جديدة عليَّ، وهكذا قررت استغلال فرصة وجودي هناك، فدرست الفن وتاريخه، وحصلت على درجتي العلمية من هناك.
وفي عام 1975 عدتُ من أميركا، وهذا ما جعلني أتعمق أكثر في هذا المجال، وأرى أن كل فنان يجب أن يكون على علم ودراية بتاريخ الفن، فالفنان حينما يبدأ في الرسم يأخذ وقتاً حتى يستطيع تكوين أسلوبه الخاص، وهنا تأتي فائدة الدراسة لتاريخ الفن؛ لأن الفنان المتخصص لن يكرر رسومات من سبقوه إلا إذا كان يرغب في أن يضيف للمدارس الفنية القديمة لمساته الخاصة، كأن يرسم مثلاً وفق المدرسة الانطباعية ويضيف عليها من شخصيته. وأنا شخصياً أمارس الفن الأكاديمي منذ نصف قرن، ولهذا أرى أن لديّ تراكمات من التجارب الخاصة سواء كانت تراكمات من معارض شاركت فيها، أو من التجمعات الفنية التي دُعيت إليها في كل أنحاء العالم.

أول مشاركة
* وماذا عن أول مشاركة فنية لك كفنانة، وما طبيعة الأعمال التي شاركت بها؟
** تخرجت في كلية لون مونتين مونيس بسان فرانسيسكو، وعند وصولي للبحرين أخبروني بإمكانية مشاركتي في المعرض السنوي لعام 1976 وكان أول عمل لي أشارك به يتميز بالأسلوب الانطباعي، وأعتبره عملاً أكاديمياً من الدرجة الأولى، وحصلت من خلاله على الجائزة التقديرية.

  • من أعمال بلقيس فخرو
    من أعمال بلقيس فخرو

تشكيل السبعينيات
* كيف ترين تجربة البحرين الفنية في فترة السبعينيات، خاصة في مجال الفن التشكيلي؟
** بصراحة، أبهرتني الأعمال المقدمة في معرض 1976، فقد وجدت أن الفنان راشد العريفي -رحمه الله- نجح في إدخال الفن الدلموني مع شخصيته المحلية، فقد رسم لوحات عالمية برؤية محلية ولها علاقة بالتاريخ والتراث البحريني والخليجي. وكان العريفي يعمل حينها مسؤولاً للتراث في المتحف الوطني، وما زالت أعماله من الأعمال المتميزة حتى الآن. وبصفة عامة، في مرحلة السبعينيات كان الفن التشكيلي في البحرين لا يقل روعة عن المعارض العالمية التي كنا نزورها.

* هذا يعني أن بدايات التجربة التشكلية سابقة على ذلك التاريخ؟
** فيما يتعلق ببدايات التجربة البحرينية في الفن التشكيلي، لا أنسى في هذا الإطار لوحة رأيتها عام 1951 وكانت للفنان أحمد السني الذي كان مُبتعثاً لدراسة الفن في بريطانيا، واللوحة عبارة عن رسم لبقرة في حقل بحريني وكانت في غاية الروعة والجمال، وهذا ما يؤكد أن التجربة الفنية البحرينية عمرها ما يزيد على سبعين عاماً.
واليوم لم يعد الفن قاصراً على استخدامات الفرشاة والزيت التي ظهرت قبل خمسمائة عام على يد ليوناردو دافنشي، فتمت إضافة الأكليريك، وهي مادة بلاستيكية من منتجات البترول أو النفط، حيث أصبحنا نضيف خامات أخرى، مما جعل ملمس اللوحة أكثر خشونة.

الفن التشكيلي في البحرين
* كيف ترين تأثير الحركة التشكيلية العالمية في ثمانينيات القرن العشرين على الفن التشكيلي في البحرين؟
** في الثمانينيات، كان لدينا فنانون يدرسون في الخارج أحدهم عبدالرحيم شريف، وكان في نيويورك، وقد تخرج قبلها من فرنسا ثم سافر إلى أميركا لاستكمال دراسته الفنية. وكان لدينا أيضاً الكثير من الفنانين الآخرين الذين درسوا في جامعات أوروبية وعربية وعادوا في تلك الفترة إلى البحرين. وجميع الفنانين الذين عادوا من الخارج أحضروا معهم تجارب البلدان التي كانوا فيها، وأضافوا تجربتهم الخاصة عليها؛ ولذا أرى أن التجارب البحرينية مميزة ومليئة بالتنوع فيما يخص الرواد، أما عن الجيل الجديد فأرى وجود جيل مميز من الفنانين الشباب أذكر منهم، على سبيل المثال لا الحصر، تجربة الدكتورة مياسة السويدي وجعفر العريبي وحسن الساري، حيث أجد أن لديهم لمسات فنية غير مسبوقة. وتحديداً في المعرض السنوي لهذا العام 2021 وجدت أن هناك ثورة شبابية بتقديم أعمال مميزة.
هذا مع أن التخرج من الأقسام المتخصصة في الفن قد لا يعني بالضرورة المشاركة في المعارض، فالفنان التشكيلي يحتاج بعد تخرجه لسنوات من التراكم والتجارب حتى يظهر ذلك في أعماله، فأنا على سبيل المثال عندما عدت عام 1975 وشاركت في معرض 1976 بقيت بعدها متوقفة لا أشارك لظروف استمرت حتى 1983 وعدت مع مجموعة من الفنانين الخليجيين حيث عرضت أعمالنا عربياً وعالمياً، وذلك قبل تأسيس جمعية البحرين للفنون التشكيلية. وقد قضيت سنوات الانقطاع تلك في التعرف من جديد على البحرين التي غبت عنها سنوات طويلة، وكنت أرى أن هناك ضرورة لبناء الثقافة الذاتية والقراءة وتغذية الروح، وكذلك تراكم وخبرات من المجتمع الذي أنتمي إليه وخاصة أن البحرين تغيرت كثيراً. وقد رسمت التراث البحريني، وتذكرت ما قام به جاكسون بولوك، وكيف سعى لتذكر طفولته بين الهنود الحمر، فبدأت أنا أيضاً أعمل على البحث في طفولتي وإدخال ذاتيتي في أعمالي الفنية، وكنا في تلك الفترة مأخوذين بأدب أميركا اللاتينية، مثل كتب جابريل غارسيا ماركيز ما انعكس على رسوماتي ورسومات غيري من الفنانين.

* هل هذا يعني من وجهة نظرك أن الثمانينيات شهدت طفرة فنية على المستوى الخليجي ارتبطت بالدراسة الفنية التي خاضها الكثير من الفنانين الخليجيين؟
** بالفعل هذا صحيح، فاليوم نجد أن الإمارات ودولاً خليجية أخرى لديها حركة فنية موسعة، فلدى الإمارات مثلاً أسماء فنية تشكيلية أصبحت معروفة عالمياً، والدول الخليجية تساعد الفنانين على صناعة الفنان وتميزه على مستوى المنطقة والعالم.

المعرض السنوي
* كيف ترين مستوى المعرض السنوي على مدار السنوات الثلاث الماضية، ومستوى الحراك الفني فيه؟
** للأسف افتقدنا في المعرض الفني السنوي هذا العام رئيس الوزراء الراحل الشيخ خليفة بن سلمان، وهذا أمر أثر بالطبع فلأول مرة لم يحضر، وكان لدينا هذا العام معرضان هما المعرض السنوي في المتحف، ومعرض الشيخ خليفة بن سلمان. وأنا شخصياً حضرت هذا المعرض الأخير، حيث قاموا بعمل فيلم تسجيلي عن تاريخ المعرض السنوي من عام 1972 وحتى اليوم. ويعرض الفيلم مسيرة حياة الشيخ خليفة بن سلمان مع الفنانين سواء خلال افتتاحه للمعرض، أو أثناء أحاديثه ولقاءاته المستمرة معهم.

علاقة الفن بالثقافة
* كيف تجدين علاقة الفنان بالثقافة والوعي وإمكانية تطوير ذاته.. وما هو الفاصل بين الحرفية والفن؟
** الفن التشكيلي قد يتناول الأحداث اليومية مثلما يتناولها الكاتب في أعماله الأدبية، وعلينا أن نعي أن الفنان يستلهم ثقافته من الحياة بالدرجة الأولى والظروف الموضوعية المختلفة التي تحيط به. وفيما يخص الفرق بين (الفن والحرفة) رأيي أن هذا الفاصل انتهى الآن ولم يعد موجوداً، فإذا ذهبت إلى المعارض العالمية ستجد أنها حافلة بالفن التركيبي والتجريدي والخامات ومزج الكثير من الأفكار والأعمال، ولذا أستطيع القول إن الحرفية أصبحت في القرن الحادي والعشرين حالة فنية، وقد تقلص الفاصل بين الصانع والفنان فكل منهما يعمل بمهارة.