ساسي جبيل

كانت في المسرح التونسي على امتداد أكثر من مائة عام مساحة للالتزام بالعديد من القضايا المحورية التي تشغل بال التونسيين منذ عهد الاستعمار الفرنسي، مروراً ببناء الدولة الوطنية، وصولاً إلى الفترة الذهبية للمسرح خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي وبدايات القرن الحادي والعشرين، حيث شهدت السنوات الأخيرة صحوة للمسرح الملتزم بالتزامن مع ما عاشته البلاد حينها من تحولات جوهرية على المستويات كافة.
عن موضوع الالتزام في المسرح، يقول الشاعر والكاتب المسرحي العراقي المقيم في تونس، حكمت الحاج: إن أتباع الفلسفة الوجودية الذين ساروا على نهج «سارتر» نادوا بالالتزام في الأدب عموماً، وفي المسرح خصوصاً، إلا أن كلمة «التزام» و«ملتزم» إنما أصبحت لصيقة بذلك النوع من المسرح تحديداً الذي يهتم بالمشاغل الاجتماعية وهموم الوطن والأمة. وبالنسبة لعالمنا العربي فقد استقر مفهوم المسرح الملتزم منذ بواكير الستينيات من القرن الماضي ليصف تلك الفعاليات المسرحية ذات الطابع القومي الاشتراكي الوطني، والمهمومة بمشاغل الناس والطبقات الناهضة المكافحة، من وجهة نظر يسارية طبعاً.
وفي تاريخ المسرح العربي، هناك تقليد طويل من العروض التي تتناول قضايا الأحداث الجارية، لاسيما تلك الأحداث المركزية في المجتمع نفسه. وكانت لهذه الأعمال الدرامية أهمية طقسية واجتماعية عززت الانتباه للقضايا السياسية المطروحة، وكانت منها بدايةً قضايا التحرر الوطني من الاستعمار.

المسرح الشعبي
وفي العقود اللاحقة، يقول الحاج، اتخذ المسرح الملتزم أحياناً أشكالاً مختلفة. ففي بعض الأحيان ارتبط المسرح السياسي بمسرح النجوم والتناول الشعبي للقضايا الكبرى، أو اقترن أحياناً أخرى بفن «الستاند أب كوميدي»، والمسمى خطأ «وان مان شو»، في تونس، والمسرح الشعبي الجماهيري المنتقد للظواهر السلبية في المجتمع. ونلاحظ في هذا الجانب، تطور المسرح السياسي في بعض الحالات كوسيلة فعالة للتواصل ونشر الفكر النقدي، وامتصاص النقمة والتنفيس.

  • حكمت الحاج
    حكمت الحاج

وأضاف الحاج في سياق حديثه عن المسرح الملتزم: لقد ظهرت أنماط أقل حدة نقدية من المسرح الملتزم، داخل المرجع الحديث السائد للفاعلية المسرحية في تونس، مثل الدراما التي قدمها كل من الفاضل الجعايبي والفاضل الجزيري ومحمد إدريس والمنصف السويسي وغيرهم من أتباع الواقعية التي تبحث في سلوك البشر كذوات اجتماعية وسياسية محاصرة ومحبطة، عبر أسلوب لا يمكن إنكاره من التأثر بمسرح بريخت الملحمي. كما تم أيضاً استخدم أسلوب الواقعية الاجتماعية لتصوير حياة الطبقة الوسطى المتعلمة، واستكشاف آفاق ومدَيات استيعابها للمشروع التحديثي في تونس، ومدى مواءمته للكفاح من أجل الديمقراطية. فمع توفيق الجبالي، أخذنا منه الدرس التالي: أن المسرح لا يمكن أبداً أن «يتسبب» في تغيير اجتماعي، ولكن يمكنه التعبير عن الطريقة التي يجد بها الناس أصواتهم وتضامنهم الجماعي. وهكذا كانت مسرحية «هنا تونس»، ومن قبلها «كلام الليل»، المبهرة وذات الأثر المستمر رغم مرور سنوات على تقديمها، علامة بارزة في طريق المسرح التونسي الملتزم، والمقبول شعبياً، في الوقت نفسه.
وخلص الحاج إلى القول: إن المسرح الملتزم لا يزال حياً، وسيبقى، ولكنه متحول باستمرار، مستبدلاً أقنعته، منخرطاً في عصره، ومتفاعلاً مع تغيراته وتطوراته.

الالتزام والربحية
المخرج التونسي منير المخينيني قال لـ«الاتحاد الثقافي»: إن ما نراه في المسرح التونسي اليوم هو عبارة عن تجارب تتشابه وتكرر نفسها، حيث عرفت التجربة التونسية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي صحوة جعلتها في صدارة التجارب العالمية، ولكن اليوم، وفي ظل الاضطراب السياسي والاجتماعي الذي تعيشه تونس، وانكماش التجارب التي كانت تعتمد البحث والتجديد عرف المسرح التونسي حالة تراجع وهيمنة للمسرح التجاري الذي يقوم على متطلبات سوق مقوماتها الربح دون اعتبار للمقومات الفنية والإبداعية، في حد ذاتها.

  • منير المخينيني
    منير المخينيني

وأضاف المخينيني قائلاً: نحن لا ننكر أن المسرح التونسي اليوم في حالة بحث على هوية خاصة به، وهذا أمر صحي وهو نتيجة لتأثره بعدة أنماط ومدارس أهمها التجارب الألمانية المتمثلة في المدرسة البرشتية أو الإيطالية أو الروسية، واليوم بات المسرح التونسي في رحلة بحث عن ذاته بمقومات عصرية أساسها الصورة والجسد والفعل، في ظل هيمنة المسرح التسويقي الذي لا تهمه المضامين ويعتمد كل الوسائل من مؤثرات يغيب فيها الممثل والنص والمضمون.

المسرح والمجتمع
وبدوره، يذهب المخرج والمؤلف التونسي جلال حمودي إلى أن المسرح هو أكثر الفنون التصاقاً بالروابط الحية للتجربة الجماعية، وهو لا ينفصم عن نسيج الحياة الاجتماعية، ولذا فإن صورة الإبداع ومشاركة الناس وصيغ التمثيل، داخلة كلها في نسيج الحياة الاجتماعية. فهي مجرد ظل للحقيقة الجمعية وهكذا فإن ممارسة المسرح تتعلق بدرجة ارتباطه بنموذج اجتماعي معين، وبالدور الذي يلعبه فيه، وبنوعية صورة الفرد الإنساني التي يقدمها، ففي كل مرّة تسود فيها الثورات أو الانتفاضات أو الاضطرابات السياسية والاجتماعية مطاولة علاقات الشعب بالسلطة، أو علاقة الإنسان بمدى حريته الفردية والاجتماعية يعود السؤال، ليطرح نفسه، عن دور المسرح الملتزم في مثل هذه الظروف.

  • جلال حمودي
    جلال حمودي

وكانت الفنون من بين وسائل التعبير التي تسلح بها المواطن، وفي مقدمتها الفن المسرحي الملتزم على وجه التحديد. فهل نكتفي يا ترى بجعل المسرح الملتزم أداةً للتعبير فقط ووسيلة من بين وسائل مختلفة أخرى للنضال والتعبئة، أم أن المسرح الملتزم يستطيع أن يكون وسطاً فاعلاً وبديلاً عن الوسط الاجتماعي، أم أنه من طبيعة أخرى؟
ثم، أين يجد المسرح الملتزم مكانه ومكانته، عندما تغدو الحياة الاجتماعية بحد ذاتها مسرحاً، إبان الانتفاضات والثورات والصراعات؟ أي عندما تطفو أشياء الحياة المخبّأة والدفينة على السطح؟
إنه سؤال، على رغم أهمّيته، لا يجعلنا نعتقد بأن الخلق المسرحي انعكاس بسيط فقط للأوضاع الاجتماعية بشكل عام. فالمسرح الملتزم، تاريخياً، يُجسد التعبير الدائم عن حريّة الإنسان إزاء أية تضييقات أو تناقضات يصعب تجاوزها أو التغلّب عليها في الحياة الاجتماعية المحسوسة.

مسرح الجعايبي.. تجربة نموذجية
ويعتبر الناقد المسرحي لطفي العربي السنوسي من أكثر المتابعين لمسرح الفاضل الجعايبي في تونس الذي حافظ على نسقه منذ بداياته الأولى، وقد عرف حضوراً لافتاً للرجل إلى جانب زوجته جليلة بكار، حيث يمكن اعتبارها تجربة نموذجية في سياق المشهد المسرحي التونسي. ويؤكد السنوسي أنه يمكن اعتبار مسرحية «تسونامي» ثم «عنف» و«خوف» ثلاثية متصلة ومنفصلة في آن عن تجربة الفاضل الجعايبي المسرحية بكل منجزها، وهي ثلاثية دشّن بها ما يعرف بـ«الديستوبيا» (Dystopia) وهو جنس أدبي دشنه في الأربعينيات من القرن الماضي «جورج أورويل» بروايته «1984» وهي رواية «جحيمية»، كما وصفها النقاد، ينبّه فيها الكاتب إلى خطورة إدامة حالة الخوف لتغذية الحقد بتعمد إشعال الفتن والأكاذيب لدفع الناس إلى الصراع والكراهية فتتحول الحياة إلى حلقة مفرغة عبثية من الكوابيس والأحلام، حيث يعاني الفرد دائماً ولا يبلغ السعادة أبداً!

  • كمال الشيحاوي
    كمال الشيحاوي

من «مسرح الأرض» إلى «غسالة النوادر»!
عن دور المسرح التونسي في نجاح التحديث والانتقال الدّيمقراطي، كتب الصحفي والناقد الفني التونسي كمال الشيحاوي: بحسب ما يثبته العديد من الدّارسين فقد كان للفرق المسرحية العربية والأجنبية التي انطلقت عروضها في تونس منذ سنة 1902 دور مهم في مضاعفة حماس التونسيين للمسرح الذي افتتنوا به، وشكلوا له فرقاً وجمعيات وقدّموا منه أعمالاً عكست رغبتهم في توظيف هذا الفنّ الحيّ والمباشر في ترسيخ الوعي بضرورة النهوض والتقدّم في جميع المجالات، وانتشرت الفرق المسرحية في أربعينيات القرن الماضي وتعزّز حضورها أكثر مع استقلال البلاد عام 1956.
وفي نهاية الستينيات، وبداية السبعينيات، برز مبدعون مثل الفاضل الجعايبي والفاضل الجزيري ومحمد إدريس وجليلة بكار فيما عرف بالمسرح الجديد، ليتلوهم بعد ذلك توفيق الجبالي ورؤوف بن عمر (التياترو) والمنصف الصايم ورجاء بن عمار (مسرح فو)، وفي فترات لاحقة ظهرت فرق أخرى مثل المسرح العضوي (مع عز الدين قنون) و«مسرح الأرض» مع نور الدين وناجية الورغي وتجارب أخرى عديدة.. ولعلّ من المفارقات المثيرة في تاريخ المسرح التونسي وتطوّره، دوره التّاريخي في بلورة الوعي ببناء الهوية الوطنية، والاستقلال زمن الاستعمار المباشر، ومساهمته في نشر الوعي بقيم العصر ورهاناته زمن بناء الدولة الوطنية.
واستمرّ المسرحيون التونسيون في أداء دورهم الملتزم في مراكمة الوعي لدى الجمهور بمقاومة التخلّف والجهل والغبن والتسلّط. وكانت أعمال عديدة مزعجة بالمعنى الثقافي والفكري لأجهزة الرّقابة في الفترات الصعبة التي عرفتها تونس قبل التغيير. ويمكن أن نشير على سبيل المثال لا الحصر إلى بعض أعمال الفرق الجهوية بقفصة والكاف، وإلى عدد من أعمال المسرح الجديد «غسالة النوادر» و«التحقيق» و«عرب».. إلخ، دون أن نغفل أيضاً أعمالاً أخرى رائدة فيما يمكن الاصطلاح عليه بالمسرح الملتزم مثل «مراد الثالث» لعلي بن عياد التي أعادها محمد إدريس زمن إدارته للمسرح الوطني. كما لا تفوتنا أيضاً الإشارة إلى دور تجارب أخرى لفرقة المغرب العربي والمسرح العضوي ومجموعة «التياترو»، وخصوصاً في تجربة «كلام اللّيل» في ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي.