محمود إسماعيل بدر (الاتحاد)

تنتمي الروائية السورية لين غرير، إلى الجيل الجديد في المشهد الروائي النّسوي المعاصر، والذي أخذ على عاتقه تجديد موضوعات السرد وأساليبه وطريقة تطويعه للواقع الذي ينتمي إليه، وذلك من خلال النّزوع إلى كتابة روائية حداثية تجريبية منضبطة، مربكة في سلسلة أحداثها وتخضع بالأساس لقالب تركيبي تتماهى فيه الأجناس الأدبية، وتنتفي فيه الحواجز والسياجات بين الذّات الكاتبة وسائر الشخصيات الأخرى التي تسرق الحكي والقص والقول منها، ومن ذلك روايتها الأخيرة «الرّيشة البيضاء» الصادرة حديثاً، وقد استلت حبكتها من وحي الأحداث المريرة التي عصفت بمدينة حمص خلال سنوات الحرب، وعالجت من خلالها 83 حدثاً عن الناس الذين عايشوها.
وحول اختيارها عنوان الرواية، قالت لـ«الاتحاد»: «العنوان يرمز إلى ريشة بيضاء سقطت من جناح طائر فوق حمص لتجول بين أزقّة المدينة وحاراتها وبيوتها وتسمع حكايات وقصص ساكنيها، فترويها، من لحظات الخيبة والأمل والحب والحرمان والأمنيات الضائعة في بيوت الأغنياء والفقراء والمشافي وعيادات الأطباء وسط ركام الحرب والتشظي على صفيح ساخن، إلى الآمال العريضة بالخلاص من قبضة الموت المجاني، وبناء سلام حقيقي»، مضيفة: «العنوان مدهش ومتصل بالمتن السردي، ويتكرر حضوره داخل الرواية عشرات المرات في نوع من الربط المباشر بين النّص وعنوانه، في ظلال لغة مشحونة بالعواطف والانفعالات، ومحملة أيضاً بالمعاني المزدوجة والأفكار حول مآسي ساحات المعارك».
وحول علاقة روايتها بالتوثيق، قالت: «تتجاوز أحداث الرواية الجانب التوثيقي النّمطي إلى سردٍ معني بعرض موضوعات إنسانية اجتماعية أثرت على حياتنا، وتركت ندوباً عميقة في دواخل الشخصيات، فضلاً عن طرح ومناقشة الانعطافات الكبرى في التفكير خلال زمن الحرب، ولكن في الوقت ذاته تحمل آمالاً تجعل أبطال العمل أكثر صلابة وقدرة على مواجهة مخرجات ما حدث». 
ولين غرير طبيبة أسنان وأديبة، أصدرت مجموعتين قصصيتين هما «نساء بلا حدود»، و«هذه أنا». وعن تجربتها في الكتابة والأسباب التي دفعتها للجمع بين الطب والأدب، تقول: «بدأت رحلة قراءة طويلة منذ الصغر، متأثرة فيما بعد بكتّاب وكاتبات ومبدعين عرب وأجانب، ووجدت في هذه المساحة الصغيرة فضاء واسعاً من التعبير، ثم التّوجّه نحو صياغة الخواطر والمذكرات ثم القصص القصيرة، التي بدأت أنشر بعضها في صحف وملاحق ثقافية محلية وعربية، إلى أن جمعت هذه الأعمال ونشرتها في كتابي الأول، ولذلك أقول إنني قد أتيت إلى الكتابة من بوابة القراءة، وبعبارة أخرى لقد تعلّمت الكتابة من فن القراءة».
ومن المواضيع التي شكّلت إيحاء كبيراً لكتّاب الرواية موضوع الحرب، وحول ذلك تقول: ما تدوّنه الأعمال الأدبية في تقديري ينتشر أكثر، ويبقى في ذاكرة المتلقي لزمن طويل، وهذا ما فعلته بالضبط في «الرّيشة البيضاء»، فقد خرجت فيها من التوثيق المجرّد إلى صور إنسانية أكثر ثراء، على الرغم من مرارة الأحداث وما يظللها من رعب وزمن عقيم معتم، وكان مهماً أن تكون نهايتها ورقة اتهام وإدانة لكل صنّاع الموت والحرب ونبذ خطاب الكراهية والتعصب.

قوة الرواية
من أين تأتي قوة الرواية؟ تجيب الروائية السورية لين غرير: «كلما كانت الرواية محكمة ورصينة، كان الالتفاف حولها أكبر وأوثق، إلى جانب اهتمام الكاتب بمعاصرتها ورسالتها الإنسانية، والتركيز في هوية وفلسفة المكان أو النهاية السردية، وبناء صور فنية وصفية نامية ومتجددة، ولاسيما إذا كانت الرواية تعالج موضوعاً شائكاً وإشكالياً كالحرب، بمعنى أهمية أن يطغى البعد الثقافي والإنساني على البعد السردي، فتغدو الهوية ثقافية بامتياز وليست سردية جافة».