إبراهيم الملا 

«اللّي مهاجر في جبل (داس) / أسميه في دنياه مْحرومْ
دونه وليفه يقطع الياس / تقنين سوّوْا في الشهر يوم
يا قلب لا تكسر أهواس / شفني على فرقاه ما روم
لي من طرى لي زين الالباس / م أحمل من المدّة ربع يوم»

نحن أمام شاعر ذاق مرارات الحياة، وحاصرته صنوف الوحشة والاغتراب والعزلة، وكانت قصائده صدى لمشاعره الجيّاشة في هذا المحيط الهادر من الشوق والأنين والالتياع، مستنداً إلى صمته وصبره كي تعبر الأيام وتمضي السنوات، ولا تؤثّر تالياً على صموده وطول احتماله، إنه الشاعر الكبير: «سلطان بن يافور الهاملي»، الذي خلّدته أشعاره الملهمة، وجعلته في صدارة شعراء الغزل العفيف، المتخلّص من الوصفّ الحسّي المبالغ به، ذلك أنها أشعار تنتصر للرمز والتلميح والإشارة، وتبتعد عن الانطباع المتسرّع، والاستعراض الخالي من العمق والجزالة.

قاموس الصبر والحنين
تعتبر القصيدة أعلاه إحدى النماذج القويّة والدالّة على المنهج الشعري لبن يافور، فهو ينطلق من الوجد الداخلي، ليلتقط التفاصيل الخارجية المحرّكة لهذا الوجد، والمحدّدة تالياً لمعالم القصيدة الملائمة لانشغالاته الذهنية، والمعبّرة بصدق عن أشواقه وتطلّعاته العاطفية.
عمل شاعرنا بن يافور منذ منتصف الخمسينيات وحتى منتصف الثمانينيات الماضية موظفاً في شركة التنقيب عن النفط بجزيرة داس التابعة لإمارة أبوظبي، وظلّت هذه الجزيرة بمثابة بيته الكبير طوال 35 عاماً من حياته، وكانت مصدر إلهامه، والمحفّز الأهمّ لتجربته المعرفية والشعرية من خلال أبعادها البصرية والجمالية وحتى المهنية بكل مشاقّها وتحولاتها وتأثيرها العميق في نوعية وأغراض ومفردات قصائده.
تعيد قصيدة «داس» المناخات المشهدية والوجدانية التي عاشها بن يافور في جزيرته الأثيرة، والتي تبدو رغم عتابه لها في مطلع القصيدة، أنها أرض اختارها واختارته، وصار لزاماً عليه أن يتكيّف مع سلبياتها، ويهنأ في ذات الوقت بعطاياها وهباتها، فهي تمثّل حال الدنيا المتناوبة بين مدّ وجزر، ولقاء وفراق، وبقاء ورحيل.
يصف بن يافور في بداية القصيدة الذهاب إلى جزيرة داس بالهجرة، وهو توصيف يعبّر بدقة عن قسوة الانفصال من «المكان الأول» إلى «المكان الثاني»، فالمكان الأول يقطنه المحبوب، وفيه نمت براعم الوعي بالوجود، والتلذّذ بمرابع الطفولة، أما المكان الثاني المتمثل في جزيرة داس، فهو رغم كونه مصدراً للرزق، إلّا أنه القاطع دوماً لحبل الودّ، وجسر الوصل، ومسار الهوى، يقول بن يافور: «اللي مهاجر في جبل داس / أسميه في دنياه محروم»، فالحرمان هو نقيض الاجتماع والائتلاف والصحبة، وبالتالي فإن جزيرة داس بالنسبة له، تمثّل وبشكل حسّي وملموس انفصال الفرع عن الأصل، والظلّ عن الصورة، والطيف عن الجسد، ومع كل هذه التناقضات الظاهرة والخفيّة، إلاّ أنه مجبر على العيش في أرضه الافتراضية - إذا صحّ الوصف - وهي على كل حالّ تُعدّ وقوداً لخياله الشعري ولقدراته التعبيرية المستقلّة، فهي منبع القصيدة المتدفّق، وشرارتها المتقّدة واللّاهبة، نظراً لما تثيره من مشاعر الحنين والاشتياق واللوعة، وهذه المشاعر بحاجة لترجمان وتوصيف وتوثيق لا يمكن سوى للقصيدة أن تنقلها للآخرين وتؤرخ بشكل وبآخر لحياة الشاعر نفسه، بكل ما فيها من أتراحٍ وأفراح، وأوجاعٍ ومباهج، وخسائر ومكاسب. 

تراث القصيدة
نستشعر في البيتين الثاني والثالث من قصيدة «داس» مدى الأذى المعنوي للانفصال عندما يقول بن يافور: «دونه وليفه يقطع الياس / تقنين سوّوْا في الشهر يوم»، «يا قلب لا تكسر أهواس / شفني على فرقاه ما روم»، مشيراً إلى أن استعادة صورة المحبوب هي التي تمنع «اليأس» من السيطرة عليه، مذكّراً قلبه بضرورة حراسة الذكرى، حتى لا تهزمه الهواجس والشكوك، وحتى لا ينكسر نفسيّاً تحت ثقل الهجران ووطأة البُعد، واصفاً لمتلقّي القصيدة في البيت الرابع، صورة هذا المحبوب المستحوذ على فؤاده، والشاغل لفكره، ليستشعر المتلقّي رجع الحنين، وصدى لاشتياق، قائلاً: «لي من طرى لي زين الالباس / م أحمل من المدّة ربع يوم» أي أنه كلّما استعاد مزايا المحبوب «زين الالباس» في هذا المكان البعيد، كلما شعر بطول الأيام وعصفها وتنكيلها به.
ليوثّق في الأبيات التالية لقصيدته الشهيرة هذه، التفاصيل الدقيقة لعودته أثناء الإجازة الشهرية ومدتها أسبوع، حيث يسرد بطريقة مشوّقة المظاهر المرافقة لرحلة العودة إلى ساحل أبوظبي، وشكل ونوعية الطائرة التي أقلته مع الموظفين والعمّال العائدين، وكذلك التفاصيل الخاصة بمكان الوصول ونوع السيارات التي أخذتهم إلى منازلهم، لتكون هذه القصيدة من الوثائق الشعرية النادرة في تراث القصيدة النبطية، والشبيهة بفيلم تسجيلي  يجسّد ملامح الحياة القديمة وصور العمّال العائدين من الجزر، وأماكن التنقيب عن النفط، يقول بن يافور في هذا السياق: 

«همّوا بنا في طايره ماس 
لي سيرها في الجوّ بعزوم 
يوم إنزلت وبريكها داس 
لن (التّكاسي) عندي ولوم
عوّدت في جيبٍ م (الأبكاس)
واتفرّجت من القلب لهموم
شفت الذي في الحشا داس
من بو ثمانٍ يكّ لرْقوم
لي ما هذى به كلّ رمّاس 
مْداري عرضه ومحشوم
حبّه بقاصي القلب له ساس
لي في ضميري مأرّث رسوم
ما بتركه وما بقطع الياس 
لو ينضرب عن يوميه يوم»

مثال الكرم والوفاء
وُلِد الشاعر سلطان بن يافور بن محمد الهاملي عام 1915م في محضر «السبخة» التابعة لبادية ليوا بأبوظبي، وتوفي، رحمه الله، في مدينة «العين» عام 1994م، وتعود شجرة عائلته إلى جدّه الأكبر محمد بن يافور الهاملي، وكان يعيش في صحراء ليوا مع أفراد قبيلته من الهوامل في محاضر «السبخة» و«الرقيعة» و«عتّاب»، وهي مناطق كما يذكر الباحث الدكتور راشد أحمد المزروعي في دراسة له عن الشاعر سلطان بن يافور، أنها محاضر كانت تعدّ مصيفاً لسكان الساحل بسبب كثرة نخيلها ومزارعها، وقد سميّت بتلك الأسماء نسبة إلى موقعها وطبيعتها الجغرافية ونسبة أيضاً لبعض الشخصيات المشهورة التي ارتبطت بها، واختارتها مع عائلاتها مكاناً للسكن والاستقرار.

  • راشد المزروعي
    راشد المزروعي

ويضيف المزروعي أن شاعرنا سلطان بن يافور ترعرع في بادية ليوا مع أبناء قبيلته، حيث كانوا يأتون إلى أبوظبي شتاءً، ويعودون إلى محاضرهم في موسم الصيف، وبعد وفاة والده، جاء إلى أبوظبي واستقرّ بها، وكان ذلك في الأربعينيات الماضية، وكان يومها شابّاً يافعاً، فعمل في صيد السمك، ثم غوّاصاً في مواسم الغوص على اللؤلؤ، وكان يذهب مع أفراد قبيلته طلباً للعيش الكريم والحصول على لقمة العيش، خاصة وأن الوقت كان في أقسى صعوباته، حيث كانت الحرب العالمية الثانية في أشدّها. وقد تزوّج خلال عمله بالغوص من إحدى نساء قبيلة «الهوامل» وتدعى «فاطمة بنت خليفة»، وعاش معها سنوات طويلة قبل أن يترك العمل في البحر، فلم تنجب منه، ولكنه فضّل الاستمرار معها، إخلاصاً وإكراماً لها. وفي أواسط الخمسينيات ومع ظهور شركات التنقيب عن النفط في أبوظبي، التحق بن يافور بشركة «أدما» بجزيرة داس، عاملاً بسيطاً في البداية، ومشرفاً على العمال في فترة تالية، وكما يشير المزروعي، فقد ضرب بن يافور رقماً قياسياً في الاستمرار بذلك العمل مدة 35 عاماً، رغم ترك الكثير من زملائه المواطنين العمل المنهك في الجزيرة، بعد الرخاء الاقتصادي وازدهار الحياة المدنية مع قيام دولة الاتحاد وتشكل الوزارات ووجود شواغر وظيفية بها. 
وكان بن يافور يأتي إلى أبوظبي ليرى زوجته ويمكث معها أسبوعاً، ليرجع بعدها إلى «داس» مقرّ عمله، إلى أن تقاعد في العام 1987م ويومها كرّمته شركة أدما البترولية كونه أقدم موظف عمل معها في جزيرة داس.
ويذكر العاملون معه أنه كان من خيرة المواطنين المخلصين لعملهم، وكان يتّسم بالطيبة والخلق الكريم والنفس العفيفة، كما يذكر زملاؤه أنه كان اجتماعياً يحب التعارف والاتصال بأصحابه دوماً، ويضيف المزروعي أن بن يافور بعد تقاعده انطلق إلى حياة البادية والبرّ، وأحب مدينة العين، واستقر بها مع زوجته، وكان بيته في العين مزاراً للشعراء والمعارف والأصدقاء، وكان رجل خير ونفقه وملبيّاً لاحتياجات الناس، وترك بعد رحيله ذكرى طيبة لدى كل الذين تعامل معهم. وعن بداياته الشعرية وأغراضه وأساليبه، يقول الدكتور راشد المزروعي أن أغلب قصائد سلطان بن يافور التي عُثِر عليها كانت عن حياته في جزيرة داس، وقد تكون قصائده الأولى والمبكرة قد ضاعت أو طواها النسيان، وبالتالي فإن لقب «شاعر داس» هو الأقرب له والأكثر التصاقاً بتجربته الإبداعية المميزة، حيث تشكلت قصائده في تلك الجزيرة وذاعت واشتهرت بين الناس، انطلاقاً من تلك البقعة الجغرافية المعزولة في ذلك الزمن البعيد.

توثيق شعري للآلات الحديثة
دارت بين الشاعر سلطان بن يافور العديد من المشاكيات والردود مع أصدقائه الشعراء أمثال: عتيق بن بندوق القمزي، وعوض بن راشد بن السبع الكتبي، وعبدالله بن كليب الهاملي، وخليفة بن حريف، ولكنه لم يشارك مطلقاً في مجالس الشعر الشعبي بالإذاعة والتلفزيون، حيث اختار البعد عن الأضواء، وعدم مواجهة الجمهور في هذه البرامج، واحتفظ الرواة بالعديد من قصائده الموثّقة لطبيعة الحياة التي عاشها في جزيرة داس، وما ذكره في أشعاره من مصطلحات حديثة مرتبطة بالآلات الميكانيكية والطائرات والسيارات التي تعامل معها في شركة التنقيب عن النفط، وبالتالي فإن قاموسه الشعري كان زاخراً بهذه الأسماء المحوّرة في المنطوق الشعبي، والتي ما زال الكثير منها متداولاً إلى اليوم، مثل: «البكس»، وهي سيارة الجيب المغطاة، و«امبريل» المقصود بها سيارات الإمبريال الأميركية التي شاع استخدامها في الستينيات، وكذلك طائرة «داكوتا» التي كانت تنقل العمال أثناء عودتهم من الجزر أثناء ذهابهم إلى إليها، إضافة إلى مصطلحات أخرى ارتبطت بلزوميات المهنة، ووسائل النقل الجديدة، مثل «الرنج» و«الصالون».
وهنا نماذج من قصائده الموثقة لمظاهر النهضة المعاصرة:
(أشوف درب الظفرة اعتدّ / «الرنج» و«الصالون» خطّاف) 
(خمسة وستين «امبريل» جديد / ماس كلّه و«التواير» له كبار
جا على المطلوب غاية ما تريد / في «داكوتا» زرّقت به في المطار)
(عوّدت في جيبٍ من «الابكاس» / واتفرّجت من القلب الهموم).