محمود إسماعيل بدر (عمان)

أولت الفنانة التشكيلية اللبنانية ريم الجندي في لوحات معرضها «الوقت» الـ 35، أهمية للمتن كما للخلفية، من خلال إفراد دور لكل منهما، تحت مظلة «فنّ الأيقونة» الذي اشتهرت به، وتضع في إطاره مادة «الخرز الملون» على العناصر والأجساد في اللوحة للتحكم في حركتها وإعطائها بعداً مادياً، ولو في شكل مجازي.
وعن معرضها، الذي يقام في العاصمة الأردنية عمّان، حتى الـ5 من سبتمبر المقبل، تقول الجندي لـ«الاتحاد»: «العمل في الخرز يستوجب صبراً وأناة، وكانت استخدمته شعوب وسلالات وقبائل معزولة عن المدنية، وارتبط أحياناً بطقوس وتعاويذ، ولا ننس أن هذه العملية شكّلت سلوى للسجينات ممن يمتلكن ناصية الوقت، الذي يمتد ولا ينتهي، وهذا ما تلحظه في أعمالي حيث أجساد الشخوص، في حالة من التقوقع ضمن ثغرة محاطة بالخرز الملون وأرضية من لون الأكرليك، مدينة رمادية في الأفق ومحاربون ترتفع رماحهم في الهواء، نساء معزولات مهمشات في حالة انتظار، وغيرها من الأعمال التي يمكن وصفها بالمجمل بأنها تمرين على احتمال الوقت في عالم أصبح ثقيلاً بحروبه وشراسته في استخدام القوة».
وما يميز أعمال الجندي قدرتها على أن تسرد نصّين بصريين مزدوجين ومتداخلين، الأول عن «الوقت» ومحاولتها الإمساك به وترويضه، والثاني: بناء علاقة مشبوهة مع «الوقت» إن لم نقل علاقة عنيفة صامتة، لكن الأهم من كل ذلك، هو تماهيها لونياً وبصرياً مع فن المسرح، وكأنها في البدء تستعير فكرة الانتظار من الإيرلندي صموئيل بيكيت في مسرحيته «في انتظار جودو»، حيث فوضوية الواقع، ومن الإيطالي لويجي برانديلو «المسرح داخل مسرح»، على اعتبار أن لوحتها تلعب في هذه الخانة بنصين بصريين متداخلين. واللافت في تقنية أعمالها، ما يتمثل في استخدامها الخرز وخياطته في اللوحات كشيفرة سرّية بينها وبين ذاتها، ثم يأتي الإبداع في استثمارها اللون الذهبي، وربما أرادته هنا من حياة تمنت أن تكون دائماً أقوى من الانتظار، وفي أغلب الأعمال تبدو «المرأة» سيدة الكادر، إنها حاضرة بقوة في الوقت وفي عبور الزمن وفي أحوالها ووجوهها المتنوعة، وفي صمتها اللانهائي.
وعن معرضها، قالت الجندي: «أرسم وكأنني أدوّن يومياتي، حين كنت شابّة، كانت لوحاتي سريعة وعنيفة، وصاخبة وتلقائية، ومع تقدّمي في العمر بدأت لوحتي تهدأ تدريجياً، صرت أخفي الضوضاء بالرموز التي أكررها وكأنني أبحث عن راحة ما في تكرار الأشياء وانتظامها». وتشعر الجندي بأن النجاة الوحيدة في هذا العالم باتت باللجوء إلى «القوقعة» كما نساؤها الصامتات بعدما خسرن الشعور بالأمان.