محمد قنور

تأسّست جائزة الشعر الإيبيرية - الأميركية بابلو نيرودا سنة 2004، أثناء الذكرى المئوية لميلاد الشاعر بابلو نيرودا (1904 - 1973). ومنذ ذلك الحين يمنح الجائـزة، وقيمتها 60 ألف دولار أميركي، المجلس الوطني للثقافة والفنون في تشيلي سنوياً، لشاعر بمسيرة مهنية متميزة، شاعر يقدم عمله إضافة نوعية وبارزة للحوار الثقافي والفني من الدول الناطقة باللغة الإسبانية. ويرعى الجائزة كل من بنك الدولة ومؤسسة بابلو نيرودا للشعر.
يقول الكاتب رافائيل غوموسيو: «بفضل نيرودا، أن تكون شاعراً في تشيلي، يشبه أن تكون فيلسوفاً في ألمانيا». لمَ لا! وعالمياً، يعتبر نيرودا، الحاصل على جائزة نوبل للأدب سنة 1971، أحد أعظم كتاب الشعر في التاريخ، ولكن للمفارقة، ليس الأمر كذلك في بلده الأم.
في مطلع سنة 2003، باعت البلدية بيت طفولة نيرودا في بلدة «بارال» جنوب العاصمة سانتياغو لمالك جديد، قام بهدمه كلياً ماحياً ذكريات وأمكنة نستكشفها ونقرأ عنها كثيراً في قصائد نيرودا. حدث هذا دون أي تدخل من الحكومة التشيلية ولا الهيئات الثقافية، نكاية في محبي الشاعر، الذين لطالما طالبوا بالحفاظ على البيت ككنز ثقافي.

حمّى نيرودا
لقد شرع حدث هدم بيت طفولة نيرودا باب الماضي على مصراعيه، الماضي السياسي والاجتماعي الصعب لدولة تشيلي، حيث عاد سوء معاملة الشاعر خلال حياته وحتى بعد وفاته بسنوات إلى الواجهة. فلطالما تعرّض خلال حياته للاضطهاد والنفي بسبب كلمته الحرة ومعتقداته الشيوعية وأسلوب حياته البوهيمية. ولو أنه حظي بإعجاب عالمي كبير، إلا أن هذا لم يشفع له لكسب مكان محترم في بلاده، وذلك بسبب توجهه السياسي.

  • ‎الشاعر راؤول زوريتا يتسلم الجائزة (الصور من المصدر)
    ‎الشاعر راؤول زوريتا يتسلم الجائزة (الصور من المصدر)

وفي سنة 1973 وبعد أقل من أسبوعين من سقوط حكم سلفادور أليندي، صديق نيرودا، في الانقلاب العسكري الشهير في تشيلي، توفي الشاعر فجأة في ظرف غامض، حيث قيلَ إنه كان مريضاً، وقيل أيضاً إن الانقلاب قتله، وقد تعرض لتسمم أو أنه مات حزناً على مصير بلده. ليشهد التاريخ ديكتاتورية الجنرال أوغوستو بينوشيه تجاه جثمان نيرودا وبقاياه، فلم يكتفِ بالعمل على دفنه في مكان قصي قرب بيته الساحلي (Isla de Negra)، وعدم السماح بإقامة جنازة تليق بمكانة الرجل وتخريب ممتلكاته فحسب، بل حظر أيضاً منشوراته في ذلك البلد طيلة سنوات حكمه. كما فعل الشيء نفسه مع زوجة نيرودا الثالثة الشاعرة ماتيلدي أوروتيا (1912 - 1985)، وخصوصاً بعد تحريرها ونشرها لمذكرات زوجها «أعترف بأنني قد عشت»، فكشّر بينوشيه عن أنيابه تجاهها إلى أن ماتت ودفنها بجانب زوجها في قبر واحد.
وبدا العمل على طمس صورة نيرودا جلياً، حين عينت الحكومة الشاعرة الأخرى الحائزة جائزة نوبل للأدب غابرييلا ميسترال (1889 - 1957)، كأهم شخصية ثقافية في تاريخ تشيلي، وكأن البلد لم يمتلك أبداً شاعراً عظيماً آخر يدعى بابلو نيرودا!

رد الاعتبار
يقول الكاتب والشاعر التشيلي فيديريكو شوف إن كل العالم «احتفى ويحتفي بنيرودا شاعر الحب وعدم اليقين والألم، نيرودا الميتافيزيقي الذي تظهر هشاشته قوية في القصيدة. أما في بلده، فقد كان الاحتفاء سراً إلى أن جاء وقت المصالحة، بعد زمن على وفاة البطل الغيور على الأمة».
وحالما استعادت تشيلي ديمقراطيتها سنة 1990 ومع زوال عصر بينوشيه، بدأ التفكير في المصالحة مع نيرودا، الشاعر الذي حمل البلد في قلبه وعقله وشعره. فتحركت هيئات ثقافية ومؤسسات وعلت أصوات تطالب بإعادة النظر في علاقة تشيلي بالشاعر الذي نفي واضطُهد في حياته وحتى بعد مماته. وعممت قراءة ودراسة قصائده في المدارس الوطنية، مع الاعتراف بالدور الفعال الذي لعبه في تاريخ البلد سياسياً وثقافياً.
يقول صديق نيرودا الروائي تشيلي فولوديا تيتلبويم فولوسكي، البالغ من العمر 88 عاماً، وهو آخر من عاصر نيرودا: «حتى أسوأ شعر سياسي لبابلو له قيمة... إنه مثل سلسلة جبال الأنديز بقممها العالية وسفوحها المنحدرة والخطيرة. لقد أراد بابلو أن يكون جزءاً من كفاح الناس من خلال الكلمة العميقة دائماً».

  • ‎إيرنيستو كاردينال خلال تسلمه الجائزة
    ‎إيرنيستو كاردينال خلال تسلمه الجائزة

جائزة انتظرها طويلاً
لم يعد نيرودا يقسم تشيلي، كما ادعت وروجت الحكومة آنذاك. ونيرودا ليس مجرد ذكريات ومنازل فاخرة وأحلام طائشة، إنه شخصية أدبية قلّ نظيرها تكاد تكون أسطورية. مما أدى بالحكومة إلى العمل على ترميم قبره ومنزله الشبيه بسفينة جنوب بلدة الكيسكو على الساحل، فصار المكان عبارة عن مزار ثقافي مفتوح للزوار من مختلف بقاع العالم.
واحتفالاً بالذكرى المئوية لميلاد بابلو نيرودا، بادرت الحكومة بزيارة لبلدة بارال مسقط رأس الشاعر، ومنحت الميداليات لعشرات الشخصيات من تشيلي وخارجها، ممن كتبوا وترجموا ودعموا مشروع نيرودا الشعري عبر العالم. وحينها تم الإعلان عن جائزة بابلو نيرودا للشعر، حيث شاعت عبارة: «لا يمكن إنكار أن بابلو نيرودا قد تحول بسبب شعره ونضاله إلى رمز للهوية الوطنية والوحدة».

شعراء بروح نيرودا
في الغالب، تتكون لجنة تحكيم جائزة نيرودا من حكام من جنسيات مختلفة لإضفاء تنوع وانفتاح ثقافي وفني شبيه بشخصية نيرودا المنفتحة. وسنوياً، يتفقون على اسم شاعر نحتَ من اللغة القشتالية جمالاً استثنائياً.
وكان الشاعر المكسيكي خوسيه إميليو باتشيكو أول من حصل على الجائزة سنة 2004، ليليه الأرجنتيني خوان خيلمان 2005، والبيروفي كارلوس خيرمان بيلي 2006، والكوبية فينا غارسيا ماروث 2007، والتشيلية كارمن برنغير 2008، والنيكاراغوياني إيرنيستو كاردينال 2009، والبيروفي أنطونيو سيسنيروس 2010، والتشيلي أوسكار هان 2011، فالتشيلي الآخر نيكانور بارا 2012، والكوبي خوسيه كوزير 2013، ثم الكوبية رينا ماريا رودريغيز 2014، والبرازيلي أوغوستو دي كامبوس 2015، والتشيلي راؤول زوريتا 2016، والإسباني خوان مارغريت 2017، والتشيلية إلفيرا هرنانديز 2018، والمكسيكية غلوريا غيربيتز 2019. وبعدما حجبت الجائزة سنة 2020 بسبب الوباء، حصلت الإسبانية أولفيدو غارسيا فالديس على الجائزة في السنة الجارية.