إيهاب الملاح (القاهرة)

تعددت أدوار الأديب والكاتب المصري الرائد يحيى حقي (1905-1992) الأدبية والإبداعية، كما تعددت وظائفه، فكتب القصة القصيرة التي كانت مهوى فؤاده، والرواية القصيرة، كما كتب السيرة الذاتية وغير الذاتية، واللوحات القلمية، والنقد الأدبي والفني (الموسيقي وفي السينما والفنون التشكيلية)، واستعاد أحداث التاريخ في كتابة كاشفة، كما ترجم الكثير من الأعمال الإبداعية والفكرية، وبالجملة فقد كان موسوعياً بكل ما تعنيه الكلمة.

طبعة  مميزة
بعد غيابٍ طال لأكثر من عقدين، أصدرت دار نهضة مصر بالقاهرة أخيراً طبعة خاصة ومميزة من الأعمال القصصية والروائية الكاملة للمبدع يحيى حقي. وجاءت هذه الطبعة الجديدة في مجلدٍ واحدٍ، يضم 53 قصة قصيرة ورواية كتبها يحيى حقي على امتداد أعوام طويلة، كما ضمتها مجموعاته الشهيرة: «دماء وطين»، و«عنتر وجولييت»، و«الفراش الشاغر»، و«أم العواجز»، وفيها قصص معروفة، ونالت شهرة عابرة للحدود والزمن، مثل: «البوسطجي»، و«قنديل أم هاشم»، وغيرهما الكثير، هذا بالإضافة إلى روايته الطويلة الوحيدة «صح النوم». ويقول محرر هذه الطبعة الجديدة من الأعمال الكاملة ليحيى حقي في تقديمه:
«والمؤكد أنك بعد الانتهاء من هذه المجموعة أو بمجرد البدء فيها ستشعر أنك لم تتعرف على هذا الأديب العظيم حق المعرفة، ولم تقدره حق قدره، فالظاهر للجميع أنه كاتب «قنديل أم هاشم» وفقط.. ولكنك سرعان ما ستجد نفسك أمام محيط عارم مترع بآيات العبقرية والنبوغ والريادة، مما ينفي عنه تهمة كونه «مبدعاً لمرة واحدة»!
ومن مميزات هذه الطبعة لقصص حقي التي ساهم بها في ترسيخ وتأصيل فن القصة ونهضة الأدب العربي، ووضع لمسته شديدة الخصوصية على فن القص المصري والعربي، إعادة ترتيب وتبويب القصص وفق تواريخ نشرها مع توثيق تاريخ نشر كل قصة أو رواية، وسيجد قارئ هذه الطبعة على هوامش أغلب القصص المعلومات الببليوغرافية الكاملة الخاصة بها، مثل تاريخ كتابتها، وفي أي مجموعة نشرت، وكذلك مكان نشرها وصدورها للمرة الأولى.. إلخ، بالإضافة إلى ملحق يضم السيرة الذاتية ليحيى حقي بقلمه، وكذلك عدداً من المقالات النقدية المهمة بقلم بعض كبار النقاد والكُتاب، وكذلك افتتاحيات قصصه.

الإلهام نور
ومن بين نصوصه المختارة في الأعمال الكاملة، يكتب يحيى حقي: «عرفت مقامي منذ وعيت لهذا العِرق الذي ينبض في روحي، لست من الملهمين، ولا لي صاحب في وادي عبقر. الإلهام نور ساطع كاشف لجميع آفاق الروح والعالم، يهبط على من يختاره دون سبب ظاهر، فيتلقاه بغير سعي منه إليه. ما أبعد الفرق بين هذا النور وبين أزيز الشرارة الخاطفة التي أحس بها وهي تتقد أحياناً فجأة ثم تنطفئ لتوها. إنها لا تنير لي إلا درباً ضيقاً وسط غابة كثيفة، يؤدي إلى كنز صغير لا يفرح به الأثرياء.. تنطفئ هذه الشرارة وتتركني لأشقى غاية الشقاء.. حتى يتفصّد العرق من جبيني من أجل أن أصل إلى هذا الكنز الذي رأيته -بل قد حدسته- من بعيد، كأنني أنحت في صخر. وحتمٌ عليَّ أن أزيل عن العمل كل آثار العرق، ليظن الناس أنها ولادة سهلة.. إن اسمي لا يكاد يذكر إلا ويذكر معه «قنديل أم هاشم» كأني لم أكتب غيرها.. وكنت أحياناً أضيق بذلك، ولكن كثيرين حدثوني عنها، واعترفوا بعمق تأثيرها في نفوسهم.. منهم أديب يمني قال لي: لقد أحسست أنك تصفني حين أعود من القاهرة إلى اليمن! وقال لي بائع كتب قديمة: مش القصة اللي فيها واد بياكل بفتيك في أوروبا، وأهله بياكلو طعمية في مصر! وحين أحاول البحث عن سبب قوة تأثير «قنديل أم هاشم» لا أجد ما أقوله سوى أنها خرجت من قلبي مباشرة.. وربما لهذا السبب استقرت في قلوب القرَّاء بنفس الطريقة». هكذا عبر يحيى حقي عن روح ما قدمه من أعمال قصصية وروائية.. وسيظل تراثه وأعماله القصصية والروائية زاداً إبداعياً خالصاً لا غنى عنه لمن يروم أن يخطو خطواته الأولى في عالم الإبداع والكتابة، ومن هنا جاء التفكير في تقديمها مُجمعة بعد تنقيحها لتخرج للقارئ كما كتبها يحيى حقي في المرة الأولى، لتظل محفوظة لأجيالٍ قادمة.