محمود إسماعيل بدر (عمان)

لم يستطع وقار الدبلوماسي تهميش دور الشاعر المتمرد في داخله، فظل منتميا لشاعريته التي لم تؤثر فيها مهمّات السّفير أو الوزير، التي اضطلع فيها عميد شعراء الأردن وشاعر الضفتين حيدر محمود، الذي منحته جامعة اليرموك ومجلس كرسي عرار للدراسات الثقافية والأدبية، مؤخرا جائزة «عرار للإبداع الأدبي» للعام 2021 باعتباره رمزا مضيئا في سماء الشعر العربي المعاصر، ولأن شعره يمثل إرثا أدبيا مهما امتد على مدار عقود طويلة تحدّث فيه عن الوطن والإنسان والمكان، وقد مثّلت قصائده تعبيرا صادقا عن أحداث العصر بأسلوب شعري يمتاز بالسلاسة والوضوح، وتعكس نصوصه مستوى رفيعا من الجمالية شكلا ومضمونا.
لا يزال حيدر محمود الشاعر العروبي قابضا على جمر القصيدة العمودية لمن لا يعرفه، فهو من الشعراء العرب القلائل الذين زاوجوا في تجربتهم بين ثنائية الأدب والدبلوماسية، فقد عيّن سفيرا لبلاده في تونس (1991 – 1999)، وشغل منصب وزير الثقافة (2001 – 2003)، ونال جائزة ابن خفاجة الأندلسي الإسبانية 1986، عن ديوانه «لائيات الحطب»، ووسام الاستحقاق الثقافي التّونسي 1999، وجائزة الدولة التقديرية عام 1990، ومع كل هذه الإنجازات، لم يضلّ طريقه إلى الشعر في ثوبه المتمرد المشاكس، فهو يعرف اتجاهات الرّيح التي تدفع أشرعة سفينته إلى الأمام نحو قصيدة متمردة تحمل رسالة.
إلى ذلك، يقول «الشّعر في خضم الرّاهن إذا لم يكن متمردا، متجاوزا حدود المكان، فليس شعرا، وفي الواقع ليست لي صلة بالشّعر الذي يعجّ بالمجرّد والبعيد وغير الممكن، لدي ولع بالقصيدة التي تحتفي بالإنسان ومشاعره ومحيطه، بعيدا عن ضجيج الحداثة وأوهامها».
وعن قصائده التي صاغها عن المرأة، يقول حيدر محمود، صاحب ديوان «عمّان تبدأ بالعين»: «المسألة لا تستوقفني كثيرا، أنا أكتب عن الحياة والحب وأرق الناس المهمشين، علينا ألا ننسى أننا أبناء جيل هزيمة القيم أمام عولمة الثقافة، جيل البحث عن الرّغيف أحيانا، بصراحة مثل هذه المواقف وما يتصل بها تستوقفني، فلا يمكن في ظل الرّاهن أن تقف قصيدة عند امرأة بعينها». ويعد حيدر محمود صاحب ديوان «شجر الدّفلى على النّهر يغنّي» نفسه شاعرا أكبر من الانتماء لتيارات سياسية بحكم عمله كدبلوماسي، ويقول: «كل التيارات السياسية والأحزاب وغيرها من الانتماءات، مهما كان وزنها، فإنها لا تعادل في تأثيرها على الناس قصيدة واحدة حقيقية وتحمل هدفا».