د. مريم الهاشمي

يعتبر البشر اليوم الحياة الفكرية أو الحياة الممتلئة بالعمل الفيزيائي أمراً بديهياً، فالإنسان العملي اليوم هو من يتمتع بفكر سديد، وهو الذي يعرف كيف يرضي ذاته ويلبـي مصالحه المادية في هذا الصراع الحياتي المتواصل، ولهذا ومن أجل التقدم الهائل والمستمر في مجال العالم المادي، أغلق البعض الباب إلى العالم الآخر، حيث يمكن الولوج فقط إذا فتحنا الباب نحو البعد العميق الداخلي للحياة، فالإنسان، في هذه الحالة، يرى ما هو أمامه، ولا يلحظ ما وراءه، لانشغاله بالسطح! وإن الحاجة إلى الحياة الداخلية ملحّة اليوم أكثر من أي وقت مضى، ليتم الاستعداد لتقبل الثقافة الداخلية والخارجية، فالإنسان يتمتع بخصائص عاطفية وشاعرية تكسب الفكر ما تضفيه رائحة العطر إلى الزهرة. وهي ما تصنع الفضيلة الحقة، والذات المحبة المخلصة التي تتعلم الأخلاق من خلالها، ومنها فقط يتم التوازن بين الفكر والعاطفة لخلق التربة الملائمة لغرس بذور الحياة.
وفكرة الحب في الخطاب الصوفي تحمل جدليات كثيرة، ولاسيما حينما ظهرت شخصية الصوفية «رابعة العدوية» فأظهرت اتجاهها الشبيه بالحب العذري في الحب الإلهي، فشرع بعض الصوفيين يضع معالم بصورة دقيقة ليكون التصور عن الحب الصوفي بها موافقاً، في رأيهم، لما صح عن الكتاب والسنة، مثل صاحب كتاب «قوت القلوب» وغيره، إلى جانب رأي الكثير من أهل العلم بأن اتجاه الحب في التصوف الإسلامي هو في الأصل رؤية غير إسلامية، كما أن بعض الكُتاب المستشرقين ذهبوا في الغالب إلى ما هو أكثر ميلاً وتأثراً بالروحانية المسيحية لتبرير عدم أصالة الصوفية في البيئة الإسلامية، من وجهة نظرهم.

  • ترجمان الأشواق
    ترجمان الأشواق

ويعتبر محيي الدين بن عربي -ومعه روزبهان الشيرازي- من بين كل مشايخ التصوف، أحد أولئك الذين دفعوا إلى أبعد حد تحليل ظواهر الحب، فقد بلور فيها جدلية شخصية لتكشف عن مآل الفناء الشامل الذي دعا إليه «العاشقون». ونجد تعرضه لذلك في جملة من كتبه التي تعرِض للموضوع بصورة تطبيقية مباشرة كما في كتاب «ترجمان الأشواق» أو شرحه «ذخائر الأعلاق» أو تعرضه له مكتفياً بمعالمه العامة كما في شأن «كتاب الديوان الكبير» وكتاب «الفصوص».

أعلى المقامات
إن المحبة في الخطاب الصوفي تمثل وجهاً آخر لصلة الإنسان بربه التي تظهر في العبودية، وذلك أن العبد لما انخرط في السلوك وسلك ما سلك حتى وصل إلى أعلى المقامات المتاحة فيها، أي في العبودية، فقد وصل إلى مقام القُربة الذي يتسم بشعور الذلة والافتقار بإزاء الرب، ومقام القُربة هو أعلى المقامات في العبودية، فهو مقام تحقيق وجود العبد، ومقام قبوله المعارف الإلهية، فيمثل المقام كيفية معرفية بإزاء ربه بداية من معرفته لنفسه. ومن صحت معرفته، صح توحيده، ومن صح توحيده صحت محبته، فالمعرفة لك، والتوحيد له والمحبة علاقة بينك وبينه.. كما يقول ابن عربي.
ويتطلب ذلك أن نقف في المصالحة بين الجانبين الروحي والطبيعي للحب، وهذا يتطلب أيضاً إدراك طبيعة وطبائع الإنسان، وإدراك السبب والنتيجة وتعلم الدافع وراء كل دافع ومنطق كل منطق، بحيث يتعلم الإنسان أن يرى الجانب الجيد في ما هو سيئ والسيئ في ما هو حسن، وعن طريق الارتقاء فوق الألم بحيث يكتسب تلك المقدرة على السعادة، القوة، المعرفة، الحياة والسلام في ذاته بمعزل عن العوامل الخارجية. 

  • فصوص الحكم
    فصوص الحكم

عن الحب صدَرْنا
ولابن عربي وجهة نظره الخاصة في جملة من قصص المحبة العذرية إذ طوّعها إلى المحبة الإلهية وجعلها محبة سبقية لها، لأن القصص تمثل ما فطر عليه البشر بعضهم بعضاً، وإن تجربة الحب الطبيعي هي التي تمهد للمرء الانتباه بفطرته الوجودية، وهذا الوعي السبقي للحب بالنسبة للعبد هو الذي يمكن له من القبول على فكرة الحب التي لا تنحصر في صورته المادية أو في قيمته الطبيعية، كما أنه هو الذي ينبهه على معرفة قبلية بشأن الحب الطبيعي ومن ثم شأن الحب الإلهي، وهي مقام شريف مرتبط بأصل الوجود.
وعن الحب صدرنا ** وعلى الحب جبلنا
فلذا جئـناه قصـــداً ** ولهذا قد قبلــنا
فكل حب لا يحكم على صاحبه بحيث يصمُّه عن كل مسموع سوى ما يسمع من كلام محبوبه، ويعميه عن كل منظور سوى وجه محبوبه، ويختم على قلبه فلا يدخل فيه سوى حب محبوبه، ويرمي قفله على خزائن خياله، فلا يتخيل سوى صورة محبوبه، إما عن رؤية تقدمته، وإما عن وصف ينشئ منه الخيال صورة، فيكون كما قيل:
خيالك في عيني وذكراك في فمي ** ومثواك في قلبي فأين تغيب 
إن الأصل في الحب الإلهي كما يراه ابن عربي، (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) فما خلقنا إلا لنفسه حتى نعرفه، وأما حبه إيانا لنا فإنه عرّفنا بمصالحنا في الدنيا وما بعدها، ونصب لنا الأدلة على معرفته ثم رزقنا وأنعم علينا مع تفريطنا بعد علمنا به وإقامة الدليل عندنا على أن كل نعمة نتقلب فيها إنما ذلك من خلقه، وكما قال ابن عربي «إن العبد هو عبد في ذاته، ولكن لا تعقل له عبودية ما لم يعقل له استناد إلى سيد، والرب رب في ذاته.. فالمعلوم أعطى العلم للعالم فصيّره عالماً..».فأحياه الذي يدري ** بقلبي حين أحيانا.