محمد نجيم (الرباط)

تندرج تجربة الفنانة المغربية البلجيكية، حنان بوعناني في أحدث معرض لها نظمته في بلدها المغرب، ضمن أحدث التجارب الفنية التي تشهدها الساحة التشكيلية بالمغرب، من خلال اشتغالها على الجسد الأنثوي وفق تمثلات تطرح أسئلة قلقة عن واقع المرأة، وإبراز ملامح هذا الجسد بتقنيات مختلفة وتتلاعب بالأشكال والألوان، حيث يجتمع الظل بالفراغ والضوء بالعتمة وفق هندسة جمالية تبرز الملامح وجحوظ العين، التي غالباً تقول ما يعتمل في باطن النفس البشرية من قلق وتساؤلات، كما أن دقة الخطوط والألوان الداكنة تعبر بظلالها عن مصير الإنسان، الذي تحركه مشاعر مختلفة من قبيل الفرح والألم والحب والكراهية والاستقرار والرحيل.
تقول الفنانة حنان بوعناني لـ «الاتحاد»: كل وجوه لوحاتي استوحيتها من وجوه أناس بسطاء التقيت بهم، وتقاطعت نظراتنا في دروب الحياة وممراتها خلال زيارتي لبلدي المغرب، وجوه تأسرني ملامحها والتي أجد فيها الكثير من الإصرار لمعانقة الحياة رغم هذا الظرف الصعب الذي تمر به البشرية جمعاء، وجوه تخفي الأسرار والقصص وفيها أجد ذاتي وطفولتي البعيدة.
وللفنانة حنان بوعناني بصمتها القوية داخل المشهد الفني المغربي الحداثي، إذ تبدو المرأة في لوحاتها غير متحفظة وبعينين مفتوحتين ومسودتين يذكران بالليل، ورأس مائل إلى اليسار بفعل ثقل الإحساس بالحرمان العاطفي، أو نكسة توحي بعدم التوازن والإحباط، وبشرة شاحبة تلمع في الضوء، وقد عمدت إلى تقديمها بهذا الشكل كما لو أنها لا تدرك مكانتها كإنسان، وتهمل الجمال الذي تتمتّع به أو أنها محرجة من هيأتها.

  • لوحة للفنانة حنان بوعناني
    لوحة للفنانة حنان بوعناني

ومن الملاحظ أيضاً أنها مسندة بمرفقها إلى منضدة خشبية من دون غطاء، بدأت تفقد طلاءها اللامع، لكنها تحتفظ بلونها البني الذي يميل إلى السمرة والتي لا تشبه في شيء تلك المائدة السوداء التي رسمها هنري ماتيس، خاصة من حيث البعد والدلالة رغم أن آثاره حاضرة بالفعل في هذا العمل بالذات. الطاولة أرادتها أن تكون فارغة، ممسوحة للتذكير بأنها تترك بمجرد الانتهاء من الأكل وللدلالة على الخيانة والإشارة أيضاً إلى الفراغ المطلق عند بعض الثقافات الغربية، ولذلك تمت صياغتها بأسلوب تكعيبي، دون اللجوء إلى المقاييس المضبوطــــة لتبدو جوفاء، من دون جمالية، لكنها، كما يقول الناقد عبد السلام الصديقي، تؤثث عالم المرأة الخاص، وتعطي الانطباع بأنها في لحظة حميمية، وأن أنوثتها المفرطة لا تكتمل إلا بعقل منفتح على العالم، وليس بثوب أنثوي، فالفنانة لا ترسم شيئاً مادياً محضاً، بل تجسد فكرة.
على الرغم من محدودية المفردات، يضيف الناقد عبد السلام الصديقي، فقد تم إسقاطها بطريقة عمودية وفق منظور هندسي لتخلق توتراً درامياً يميز الأسلوب السردي لهذه الفنانة التي تعدل بين الشكل والمضمون وتوزيع اللون لتستهدف مباشرة استخراج المعنى عبر لغة بورتريهية خاصة، وتستغل الفراغ جيداً ولا تتركه مسطحاً، فهي تعتبره مساحة مهمة وعنصراً رئيساً، يوازن مكانة الكُتلة والشكل ويرسخ الصمت الإيجابي.