د. مياسة سلطان السويدي*

الكتب والمكتبات هي أحد أهم المؤشرات التي تقيس ثقافة الأمم ونهضتها، ويعد الكتاب المعلم الأول للبشرية، فمن خلاله تم حفظ التاريخ والعلوم واللغات، وقد تختلف علاقتنا بالكتب من شخص لآخر، فكل منا قد يقتني الكتب في فترة ما من حياته، سواء كتب المدرسة أو التخصص أو الاهتمامات التي يشغلنا البحث فيها ويدفعنا الفضول للبحث أكثر واقتناء مجموعتنا الخاصة. وقد وصف فرانشيسكو بترارك وهو باحث إيطالي، وأحد أوائل الإنسانيين في عصر النهضة، علاقته بالكتب: «أنا مسكون بشغف لا يرتوي ولم أفلح ولم أرغب حتى الآن في إروائه، أشعر بأنني لم أمتلك قط كتباً كافية، الكتب ملذة كبرى تبهج قلب الإنسان، تسـري في عروقنا وتسدي لنا النصح، وتلازمنا بنوع من الألفة العميقة والحيوية، وما من كتاب يوسوس روحنا بمفرده إلا وأفسح الطريق أمام كتب كثيرة غيره، مولداً فينا، في النتيجة، شوقاً إلى كتب أخرى».

تحفيز الخيال
والكتاب هو الشكل الأمثل الذي احتضن ما أنتجه العلماء والمفكرون والباحثون والأدباء من أجل الاحتفاظ بثروتهم الفكرية والإبداعية، فالكتب تحفّز الخيال حيث تتشكل الكلمات المكتوبة في دماغ الإنسان في صورة حية، ولطالما سمعنا جملة أن الرواية أجمل من الفيلم لأننا حين نترجم الكلمات في خيالنا تكون المشاهد أكثر إبهاراً من خيال المخرج الذي فرض علينا تصوراته الخاصة، فالقراءة هي فعل خلق دائم، وقراءة الكتب الجيدة تساعدنا على تنمية عقولنا وزيادة ثروتنا المعرفية، فهي ليست ترفاً أو قضاء لوقت الفراغ ولكنها ضرورة تساعدنا لعيش الحياة بعمق ووعي أكبر.

الكتاب والعلاقة بالأمكنة
للمكتبات مع أصحابها قصص وطرائف وأشجان تستحق أن تروى، فموقع المكتبة وزوارها ومراحل تكونها، ثروة ورقية يجمعها القارئ النهم، زيارات خاصة لمعارض الكتب التي نعود محمّلين بغنائمها، كتب المطارات وقاعات الانتظار، كتب لا ننساها وتبقى حاضرة في ذاكرتنا، وكتب أخرى تلاشت ببساطة ما أن نصل إلى الصفحة الأخيرة حالها حال الأصدقاء العابرين، كل ذلك خطر في بالي وأنا أفرّغ بعض الصناديق لكتب قديمة وموسوعات ضخمه تخص والدي الراحل، موسوعات عن الشريعة والفقه والتفاسير، تلك الكتب تتبعثر على الأرض وتنتظرني أن أمنحها مكاناً جديداً في أحد الرفوف الممتدة، طبعات فاخرة ذات غلاف جلدي مزخرف، حتماً ستبدو جميلة في الرفوف العلوية، ولأكون أكثر صدقاً فاحتمال قراءتها والعودة إليها قليل فقد أغنتنا الشبكة العنكبوتية عن البحث في تلك الموسوعات الضخمة لتبقى أهميتها الجمالية بارزة على تلك الرفوف.

الكتاب ومراحل الحيــاة
إن مكتباتنا الشخصية تعكس بشكل ما شخصياتنا الحقيقية وكل التحولات التي نمر بها عبر الزمن، ولا أتذكر وقتاً لم تكن لي فيه مكتبة تعكس اهتماماتي في ذلك الوقت، كتب مراهقتي حين أغرمت حينها بالشعر النبطي وحفظت الكثير من القصائد الشعرية عن ظهر قلب حتى ظننت أنني سأكون شاعرة يوماً ما، وبعدها كتب التخصص في الرياضيات والبرمجة والإدارة، ثم التربية وتطوير الذات، والروايات بأنواعها العربية والمترجمة، إلى أن أغرمت بالفلسفة في وقت لاحق. فحين أتأمل مكتبتي أجدها تبدو مثل سيرتي الذاتية، إن كتبنا في المكتبة الخاصة صديقة درب ومؤشر على اهتمامات صاحبها الفكرية والثقافية والإبداعية في كل مرحلة من مراحل حياتنا، وهي تلخيص وتكثيف لصيرورة حياة يندمج فيها الخاص بالعام والفردي بالجماعي.
إن ترتيب الكتب وتصنيفها فعل خلاق في جوهره على رغم ما قد يبدو عليه من فوضوية، وكما في كل فعل خلاق هناك احتمال أن تفقد العناصر المستخدمة خواصها الفردية من شيء مختلف يجمعها ويحول طبيعتها في الوقت نفسه. فكل تلك الكتب مجتمعة على الرفوف المتوازية، تنعقد بينها أواصر مفاجئة لم تخطر على بال أو يفترق بعضها عن بعض في تنافر تام! إحدى ذكرياتي القديمة في تصفيف المكتبة كانت مع مجلات الأطفال ومجلدات الرسوم، حيث أنهمك في ترتيب الأعداد الكثيرة من مجلة «ماجد»، فأرتبها أحياناً على حسب العدد ثم أشعر بالتوتر لغياب بعض الأعداد وعدم حصولي عليها فأشعر وكأن هناك فراغاً ما، فأعيد ترتيبها باستراتيجية مختلفة على حسب لون الغلاف، وأصفُّها في مجموعات لأنتهي برف يشبه قوس قزح.

العمر الثقافي
إن القراءة تضيف إلى أعمارنا الحقيقية عمراً ثقافياً آخر، فهي تمنحنا حياة أخرى نتعرف من خلالها على تجارب الآخرين، وكما يقول الكاتب البريطاني جراهم جرين: «أحياناً أفكر أن حياة الفرد تشكلت بوساطة الكتب، أكثر مما أسهم البشر في تشكيل هذه الحياة»، وما زلت أذكر خالي العزيز المشهور بثقافته الواسعة سالم راشد العبسي الذي كان يخصص ساعات تمتد يقضيها في القراءة فكسب ثقافة واسعة، وللأسف تأثر بصره في ذلك الوقت، ولأنه لا يستطيع أن يستغني عن تلك العادة طلب من أخته الصغرى التي هي والدتي أن تقرأ له كتبه المفضلة. ذاته خالي الذي فتح لي أبواب القراءة حينما عجزت أن أكتب التعبير لمادة اللغة العربية في مرحلة الابتدائي وطلبت مساعدته فناولني كتاب «جواهر الأدب» وجعلني أشرع في قراءته في تلك السن الصغيرة، وما زال هذا الكتاب يتوسط مكتبتي وأحتفظ به حتى اليوم كنزاً قيماً وذكرى غالية. وفي كتاب هنري ميللر «الكتب في حياتي» وهو كاتب ورسام أميركي من أصل ألماني يحكي قصة حياته مع الكتب التي قرأها وهي تعادل خمسة آلاف كتاب خلال أربعين عاماً، يصفها بأنها تجربة حيوية، ويضيف أن ما يجعل الكتاب يعيش هو التزكية من قارئ إلى آخر، ويطرح الكاتب في كتابه عدة قضايا متعلقة بالقراءة وسياسة الكتاب والشهرة والإهمال والمجد والكتب التي لا تقول شيئاً، ويعتقد أن ثمة بعض الكتب تمنح إحساساً رائعاً مثل أفراد نادرين في هذه الحياة، ويؤكد ميللر على أهمية الكتب كتجربة حيوية ويشدد على ضرورة العودة إلى ينبوع الحياة الذي نستقي منه الحِكم والعِبر وجميع تفاصيل الحياة.

منارة لطالب المعرفة
لقد عـرف التاريخ القديم والحديث اهتماماً بالغاً من قبل الدول والحكومات بإنشاء المكتبات العامة لتكون منارة لكل طالب معرفة، وإرثاً حضارياً إنسانياً. وفضاء المكتبة، تلك الأبنية العامة هي بمنزلة رموز تدل على الهوية التي يختارها المجتمع لنفسه، ولكنْ في هذا العصر الذي يؤمن بأن هناك طريقاً مختصرة إلى كل غاية، اختفت المكتبات وتلاشت تقريباً لتكون إلكترونية، ففقدنا معها رائحة الورق الحميمة وشموخ الكتب وهي تصطف على الرفوف بفخر، إلا أننا لن ننكر أيضاً أن منافع تلك المكتبات الإلكترونية كثيرة، ومنها سهولة الوصول إلى المعلومة والحصول على مختلف الكتب بأسعار تكاد تكون رمزية وفي كثير من الأحيان مجانية. وسواء كانت الكتب ورقية أم إلكترونية فهي نتاج لأشخاص حقيقيين قدموا حياتهم وأفكارهم وأفعالهم بعد أن جربوا الحياة بشكل كامل. يقول مكسيم غوركي الأديب الروسي: «هذه الكتب غسلت نفسي وأزالت عنها ما علق بها من أقذار الحقيقة المريرة المؤلمة، أدركت الآن قيمة الكتب العظيمة، وأدركت أيضاً ضرورتها لي وعدم استغنائي عنها، فقد أثارت الكتب في نفسي شيئاً فشيئاً ثقة لا تتزعزع وهي أني لم أعد وحيداً في هذا العالم، وأني سأشق لنفسي درباً في الحياة».

* أكاديمية وتشكيلية بحرينية