تقديم وترجمة: بول شاؤول

كان مرور هذا الشاعر خاطفاً على الأرض، فتوفي بمرض السل في الخامسة والعشرين، مثل شعراء وفنانين عديدين: بايرون (الإنجليزي) فوزي المعلوف (لبناني رحل في التاسعة والعشرين)، وأبي تمام (الشاعر العباسي في التاسعة والعشرين)، وسيد درويش الموسيقي المصري في الثلاثين... حضور كالْتماع البرق خلّف وراءه أعمالاً كثيرة، فضعف في عز نبضها. جون كيتس يندرج في سلسلة الرومنطيقيين، من وليم وردسورث من القرن الثامن عشر، وأهم فترة هذه المدرسة ما بين (1880 - 1858) ولا ننسى طبعاً شكسبير، ووليم بليك، وفي العصر الحديث بابللو نيرودا، وجبران خليل جبران، وإيليا أبو ماضي.
رحل كيتس، ولكن شهرته تفجرت بعد موته المبكر، وأثر في الشاعر الإنجليزي تينيسون (صاحب المرثية المشهورة «في الذكرى») التي كتبت في أربعة آلاف بيت شعر.
ولد في عائلة موبوءة بمرض السل الذي كان قاتلاً، كما السفلس الذي قضى على بودلير، فوالدته توفيت به، وكان لهذه الحادثة أثرها المزدوج عليه، أولاً فاجعته بموت أمه، والثانية تخوفه من أن يصبح هذا المرض وراثياً. أعراض السل بدأت تظهر عليه عام 1820، وكابد ما كابد وكافح ما كافح، واهتمت به أخته على قدر استطاعتها، ثم قصد إيطاليا للمعالجة، ولكن لم تنفع كل هذه المحاولات فأغمض عينيه في 1821، وهو في الخامسة والعشرين.
في هذا الحيز الضيق من عمره، أكبّ على كتابة الشعر، بنهمٍ كبير، وتعطُّش خارق، فكتب قصائد معظمها إما طويل، أو طويلة في مقاطع. وعلى غرار الرومنطيقيين الإنجليز الذين سبقوا الرومنطيقية الفرنسية وتجاوزوها بأحجامها الشعرية والإبداعية الكبيرة، وعمقها وتنوعها، كانت الطبيعة محوراً من محاوره، الأرض، الفصول، الخريف، الأوراق، الانفتاح على الدين، والغنائية، والشفافية، والغضب! وهو من الجيل الرومنطيقي الثاني، وقد استفاد من مجمل التجارب الكبيرة التي سبقته وأثر في المرحلة التالية في عدد من الشعراء.
ومن أهم أعماله: قصيدة إلى تانيا، وقصائد إلى غراسيان أوركا، وقصائد إلى الخريف. وهي من أروع قصائده. وقد حملت هذه كلها بعد موته عنوان «قصائد جون كيتس».
والمعروف أن الرومنطيقيتين الإنجليزية الأميركية والألمانية، قد طُبعتا إلى حد كبير بشعرائهما الأفذاذ، الرومانطيقية الفرنسية: لامارتين، فيكتور هيغو، وصولاً إلى بعض الشعراء العرب، خليل مطران، وإلياس أبوشبكة، وجبران خليل جبران، وحتى أمين الريحاني.
ولا يمكن قراءة كيتس بعين حيادية، ولا بغير طريقة عمومية (كواحد من المدرسة الرومنطيقية) بل كشاعر. وهو في انتمائه إلى هذه المدرسة، نجح في انتزاع مساحة أخرى، من خلال نفاذ غنائيته وشفافيتها «القاسية»، وتعبيرها الذي يتخطى المباشرة، والاتباعية، إلى ما هو لغة خصوصية، مميزة، تتابعها على امتداد القصائد.
كيتس الذي ولد في لندن عام 1795 ورحل عام 1821، ترك أثراً في إقامته العجلى أشعاراً ما زالت تحفر فينا حتى اليوم.

مختارت من شعره إلى فاني
أيتها الطبيعة الشافية! دعي روحي تنزف! فليترنح قلبي، مؤلفاً قصائد وأجواء الراحة، دعيني على أرجل ثلاث، إلى أن يفيض موج القصائد العارم الذي يخنقني من صدري المليء.
موضوع! موضوع! أيتها الطبيعة الكبيرة هبيني موضوعاً.
كلا بدأ حلمي!
آتٍ، أراك كما تقفين هناك، 
تجذبينني إلى الهواء الجليدي.

-II-
آه! يا أعز حبي!
ملجأ يخاوفني الجنون.
ملجأ آمالي، بؤسي اللاحق هذه الليلة، إذا كنت أتكهن، جمالك ينقسم عن بسمة رائعة، جد لامعة، وباهرة، وعندما بعينين مدهوشتين، متألمتين، مأسورتين، أضيع في نشوة ناعمة أعجب أعجب!

-III-
مَن في هذه اللحظة، بنظراته الحادة يفترس وليمتي.
أي عيون منقطعة تحدق في هذه اللحظة في قمري المضيء.
آه! لكن على الأقل إن يمسك يديك
دع، دع العشاق يستغرقون. لكن، أتوسل إليك، لا تحوّل عيني انطلاق قلبي!
آه! حافظ، حباً، الخفقات الأسرع بالنسبة إليّ!

VI
أعرف ذلك -والمعرفة- أن تيأس من شخص يحبك كما أحبك أيتها الرقيقة فاني!
شخص قلبه ينبض من أجلك في كل مكان، وهو عندما تحومين بعيداً لا يجرؤ على البقاء في منزله البائس: الحب! وقسوته وحده، عذاباته العديدة.
عزيزتي الأعز من الجميع! جنبيني عذاب الغيرة!
عشية القديسة رينيس

-II-
كان يتلو هذا الرجل المريض صلاته فجأة، ممسكاً مصباحه، يزحف على قدميه ويستدير إلى الوراء، ضعيفاً، ماضي - القدمين عبثي على طول الكنيسة بخطىً بطيئة: الموتى الآتون من كل جهة كأنها تئن مسجونة في العتمة، خلف قضبان المطر... حكايات نساء، يصلّين بصمت وها هو يتقدم ونفسه تنهار. وينكر كم عليه أن يتعذب تحت قبعات بجوانبه الجليدية الهشة.

-III-
نحو الشمال يعبر باباً صغيراً وبالكاد تقدم ثلاث خطوات، حتى لامس لسان الموسيقى المذهّب، يلمس حتى الدمع هذا العجوز الفقير لكن لا، فقد سبق أن قرع الموت جرسه، أفراح حياته كلها كانت قد تُليت وأنشدت: كانت بالنسبة إليه قاسية عشية القديسة إينيس.
اتخذ طريقاً أخرى، وسط رمادٍ ضخمٍ يُحبس ليرتاح من نفسه ويبقى طوال الليل ساهراً، متألماً، من أجل سلام الخطأة.

الألم
أي مصادفة مناسبة، المخلوقات المسنة تصل مجرجرة أقدامها، مستندة إلى عصى أعلاها من العاج. حتى المكان الذي يقف فيه خارج كل المشاكل، غصن عريض، وأناشيد مدغدغة، جعلها تنتفض، لكن ما إن تعرفت إليه أمسك أصابعه بيده المرتعشة قائلاً: رأفة يا بورفيرد! غادر هذه المكان:
فكلهم موجودون هنا هذه الليلة، هذا العرف المتعطش كله للدم.