الفاهم محمد

هنالك مصطلح أصبح اليوم متداولاً على كل لسان، خاصة في مجال عالم المال والأعمال. وأحياناً نتحدث فيه عن الحرب الاقتصادية، أو الاستعلامات الاقتصادية، ولكن التسمية الأكثر شيوعاً هي: «الذكاء الاقتصادي». وبالمعنى الظاهر يتعلق الأمر بمجموعة من الطرائق التي تنهجها بعض الشركات والدول من أجل جمع المعلومات ودراسة السوق دراسة شاملة، لكي تضمن نجاح أي مشروع اقتصادي.  ولكن بالمعنى الخفي ينظر إلى الذكاء الاقتصادي، باعتباره شكلاً من العلاقات الاقتصادية، بلغته العولمة في طورها الأقصى. إنه يعبر كما يقول المتتبعون عن كون الوضع الاقتصادي العالمي فقَدَ اليوم أي قاعدة أخلاقية، فليس هناك أصدقاء في مجال التجارة، بل هناك فقط علاقات مبنية على قواعد براغماتية، قابلة للتغيير في أي لحظة. فنحن نعيش كما يقال نوعاً من الحرب الباردة الاقتصادية، المعمّمة على الصعيد الكوكبي. ولذلك فالذكاء الاقتصادي يدل ضمن هذا المنحى على البحث عن المعلومات التي تسمح بالبقاء داخل هذا العالم الشرس. والرفع من اليقظة التي تضمن الرؤية الاستراتيجية لما هو قادم، ثم القدرة على الاستباق ورد الفعل. ولكن كيف يمكن أن تجري هذه الممارسات باحترام القواعد الأخلاقية للتنافسية الشريفة؟ أو بطريقة أخرى، هل من الممكن أنسنة اقتصاد السوق، وربطه بالغايات الأخلاقية والاجتماعية العليا؟

الصراع حول المعلومة
يتعلق الأمر إذن بحرب اقتصادية كما يطلق عليها آلان جويلييه Alain Juillet الرئيس السابق للمخابرات الفرنسية الذي يقول إن عالمنا ينقسم حالياً إلى من يصِلون إلى المعلومة، ومن لا يتمكنون من ذلك. فالثروة التي سيتم التنافس عليها غداً هي المعرفة. إن الاستثمارات وإنتاج الثروة، وخلق فرص العمل، والتطور التكنولوجي، كل هذا وغيره، ستكون المعرفة هي المحدد الأساسي له. وكل شركة إنتاجية تشتغل اليوم ضمن نظام محلي، هي في الواقع شاءت أم أبت، مرتبطة ضرورة بنظام معوْلم يتجاوزها، مما يفرض عليها ضرورة معرفة التطورات الحاصلة، سواء في مجال الإنتاج أو التوزيع أو الاستهلاك. وهكذا في أوروبا وأميركا، وفي مختلف قارات العالم، تنتشر اليوم بشكل متزايد مكاتب جديدة تطلق على نفسها: «مكاتب الذكاء الاقتصادي». بل أكثر من ذلك، هناك معاهد ومدارس تقوم بتأهيل الطلبة، لامتلاك هذه التقنيات الجديدة، التي ستمكنهم من العمل في مجال هذه الحرب الجديدة، أي الحرب الاقتصادية!

الجانب المظلم للذكاء الاقتصادي
نميز عادة في مجال الذكاء الاقتصادي بين ثلاثة أنواع من المعلومات: البيضاء والرمادية والسوداء. الأولى تكون معلومات عادية متاحة للجميع، ويمكن الحصول عليها ببساطة. والثانية تتميز بكونها معلومات خاصة ومن الصعوبة الوصول إليها. أما الثالثة فهي المعلومات السرية جداً، والتي يتوقف عليها وجود كيان الشركة. ولا يقتصر عمل الذكاء الاقتصادي على المعلومات البيضاء الرسمية فقط، بل يهدف أيضاً للوصول للنوعين الثاني والثالث من المعلومات. فنشاط الذكاء الاقتصادي لا يتوقف عند حدود المصادر المفتوحة، إنه يتعدى ذلك للبحث عن المعلومات السوداء التي تضمن التفوق والسيطرة.
وهكذا فالحرب الاقتصادية يديرها حالياً عملاء سريون وجواسيس اقتصاديون، ورجال استخبارات سابقون، فهؤلاء هم جنود هذه «الحرب العالمية الثالثة» كما يسميها نيكولاس موينت الأستاذ بمدرسة الحرب الاقتصادية، وأحد كبار المختصين في هذا المجال. وفي نظره أن هؤلاء «الجواسيس الجدد» يضعون اليوم خبرتهم وتجربتهم، في أيدي شركات ودول تبحث عن إمكانية التفوق، في عالم لم تعد المنافسة فيه تخضع لأي قواعد أو مبادئ للمنافسة الأخلاقية الشريفة. وبالتالي إذا كانت الشركات مضطرة إلى جمع المعلومات الاستراتيجية والأسرار الصناعية التي تضمن بقاءها، وتمكنها من اتخاذ القرارات الصائبة، فإن هذه العملية قد لا تتم دائماً بالطرق اللائقة. فأحياناً يتم اللجوء إلى اختراق الحواسيب أو الحصول على معلومات ووثائق مسربة، أو حتى عبر إغراء تقنيين وعملاء كي ينفصلوا عن شركاتهم من أجل الاشتغال للشركات المنافسة. ففي غياب ميثاق أخلاقي يتم اللجوء في الغالب إلى كل الوسائل، سواء منها المشروعة أو غير المشروعة، للحصول المعلومات السوداء داخل هذا التطور الفوضوي واللامستقر المميز للاقتصاد العالمي.

تخليق العولمة
ولا شك أن هناك تحديات استراتيجية ومصيرية، تواجه اليوم الشركات والمؤسسات الإنتاجية، خاصة في عالم مضطرب وغير مستقر على جميع الواجهات. فوجود مقاولة تنافسية متحكمة في إدارة معلوماتها، وقادرة على ممارسة جيدة لليقظة الاستراتيجية، هو أمر محمود في حد ذاته. ولكن ما يعاب هو طبيعة هذه التنافسية، التي تفتقد إلى أي أساس قيمي. إن المشكل إذن في جوهره يعود إلى نظام العولمة، وقد تميزت العولمة. والسؤال المطروح مرتبط بمدى قدرتنا على تخليق العولمة والحفاظ على التوازنات الاجتماعية، بدل الجشع المحرك لبعض الشركات الباحثة فقط، عن المردودية والسيطرة على الأسواق. ولاشك أن الأزمات التي يعرفها هذا النظام، وفي غياب القوانين القيمية الضرورية، لا يمكن التعويل على فكرة أن «السوق ينظم نفسه بنفسه». وما دام الاقتصاد هو قيمة القيم، فإن السؤال حول شرعية الممارسات المرتبطة بالذكاء الاقتصادي سيظل مطروحاً.