عزالدين عناية (روما) 

ليس بوسع أيّ باحث في تاريخ الاستعمار الإيطالي غضّ الطرف عن أبحاث المؤرخ الإيطالي أنجيلو ديل بوكا، الذي رحل في السادس من أغسطس الجاري عن 96 عاما، مهما عارض طروحات الرجل وخياراته البحثية. فلم تصحب ديل بوكا طيلة مشواره البحثي تلك الهالة الأكاديمية، الخادعة أحيانا، وإنما سلك دربًا عوّل فيه على نباهته وحسّه الصحفي، آمن فيه بصواب توجهاته؛ فقد ولج ميدان التاريخ من باب الصحافة (توزّع عمله الصحفي بين صحيفتيْ «الغازيتا ديل بوبولو» و»الجورنو» ثم تولى مهام مجلة «دروب البحث»)، وسبق المؤرخين الأكاديميين بعقود عدة ودراية أشمل في مجال الأبحاث المتعلقة بالاستعمار الإيطالي في ليبيا وأثيوبيا والصومال وإيريتريا، حتى أضحى من أبرز المتخصّصين الإيطاليين.

كانت لحظة فارقة وراء انعطافة ديل بوكا، الذي وُلد في مدينة نوفارا عام 1925،  نحو الانشغال بتاريخ الفظاعة الفاشية. فبعد انضمامه إلى صفوف الجيش الفاشي، فرّ الشاب ديل بوكا من الجندية في العام 1944، والتحق بصفوف المقاومة المناهضة للدوتشي. وما إن تحرّرت إيطاليا من قبضة الفاشية حتى حوّل ديل بوكا شغفه الصحفي إلى عمل قوامه البحث والتقصي، معتمدا أسلوب التحقيقات ذات الطابع التاريخي والسياسي والإنساني عامة.
وتَبرُز أهمية ديل بوكا في قطع الصمت المطبق الذي ران طويلا في الأوساط التاريخية الإيطالية بشأن فظائع الاستعمار الإيطالي، حتى بعد سقوط الفاشية، وتهشيمه ذلك التابو بنشر مؤلفٍ حول آخِر مغامرات الفاشية في أفريقيا بعنوان: «حرب الحبشة 1935-1941» (1965). لم يكتف ديل بوكا في الكتاب بتتبّع أطوار الحملة الفاشية، بتصوير أرض الحبشة بمثابة «أرض اللبن والعسل» وما رافقها من إغواءات «غرائبية»، بل أردفها بعرض التهويمات الدعائية بشأن رسالة الفاشية الحضارية، الحريصة على انتشال إفريقيا من «بدائيتها»، فضلا عن رصد ديل بوكا ما اقترفته يد المستعمر من آثام.
أثار الكتاب حينها حفيظة «الوطنيين الطهريين»، خصوصا مع التطرق لموضوع جرائم الحرب المقترَفة من قبل الجيش الإيطالي، التي من ضمنها استعمال الغازات السامة والخانقة المحرّمة دوليا. كما لاقت مضامين الكتاب إنكارًا لدى «المؤرخين اليمينيين» المنشغلين بقضايا التاريخ المعاصر، من أمثال المؤرخ إيندرو مونتانيللي. ولم يهدأ ذلك الجدل سوى بصدور وثائق رسمية في إيطاليا في العام 1996، في ظلّ عمليات المصالحة مع المستعمرات السابقة وتصفية الإرث الاستعماري، شملت إثيوبيا والصومال وإيريتريا وليبيا، أقرّت بانتهاكات فظيعة اقترفها الجيش الإيطالي منها استعمال الغازات السامة، كانت شهادة على صواب الرجل ونزاهته.
في مرحلة أولى انشغلت أبحاث ديل بوكا بأثيوبيا، ثم توسعت لتشمل فضاءات عدة، تكلّلت بإنجاز عمله الضخم «الإيطاليون في شرق إفريقيا» في أربعة مجلدات (منشورات لاتيرسا، 1976-1984)، ثم مؤلف «الإيطاليون في ليبيا» في مجلدين (منشورات لاتيرسا 1986). ولم تمض سوى سنوات قليلة حتى نشر سيرتين الأولى لهيلا سيلاسي إمبراطور إثيوبيا (لاتيرسا، 1995) والثانية للعقيد القذافي صاحب أول جماهيرية في التاريخ (لاتيرسا، 1998)، وغيرها من الأعمال مثل كتاب «على مقربة من المشنقة.. محمد فكيني والاستعمار الإيطالي» المنشور في دار ميلالي 2007 في باريس. ولم يكِف ديل بوكا في أعماله الأخيرة عن دحض المزاعم الرائجة في إيطاليا بأن «استعمارنا» كان أكثر إنسانية ورأفة من غيره، وألّف كتابا في الشأن بعنوان «الإيطاليون أناس كِرام!»