السبت 27 نوفمبر 2021
أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
ثقافة
رحيل المفكر.. بقاء الفكرة
رحيل المفكر.. بقاء الفكرة
الخميس 5 أغسطس 01:40

عزالدين بوركة

رحل محمد سبيلا، أحد رواد الفكر الفلسفي العربي المعاصر الذين رسموا معالمه الأولى بما أنجزوه من دراسات وترجمات وحفر في التراث ونبش في أعماق التفكير الغربي والعربي، وكانت مساهماته هنا في صحيفة «الاتحاد» عبر ملحق «الاتحاد الثقافي» جزءاً لا يتجزأ من هذا البحث الأركيولوجي والجينيالوجي في أسئلة الحداثة. ولهذا كان جديراً بلقب «فيلسوف الحداثة» [العربية] كما يصفه البعض. وقد انحاز إلى الفكر والفلسفة والعقل، بعد رحلة في عوالم السياسة نقداً ونضالاً.. بعد «انتماء مبكر إلى حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، حزب المهدي بنبركة وعبدالله إبراهيم، اللذين تركا أثرهما الجلي على الطالب اليساري محمد سبيلا، فاعتبرهما بالنسبة إليه يمثلان رائدي حركة التنوير في المغرب». وبعد تجربة غير قصيرة داخل هذا التنظيم السياسي، وبفعل خلافات وتصدعات داخلية جمعته مع «الرفاق»، سيختار الانعزال إلى التفكير وإعادة النقد. وعند هذا المنعطف سيجد سبيلا طريقه إلى «الحداثة» فكراً وفلسفة. إذ ستشكل كتاباته الفكرية، منذئذ، نوعاً من السياسة بالسلب، نوعاً من الممارسة السياسية عبر إعمال التفكير والتفلسف. ولهذا لم يكن متحزباً أو منحازاً -منذ ذلك الفراق- إلى جهة دون أخرى، مسخّراً حياته للفكر ولبناء مشروع حداثي عربي.. ناظراً إلى التفكير والتفلسف على أنهما سلاح فعال للنضال ضد «عبثية» عالمنا المعاصر، ولن يحدث ذلك إلى عبر إرساء بُنيانٍ حداثي فعال، يصل إلى كل طبقات المجتمع. 

فالحداثة بالنسبة لصاحب «زمن العولمة...» (2005) هي فعل استراتيجي، وممارسة فعّالة وديناميكية، ومدخل أساسي وباب مفتوح نحو التفكير في ماهية ولُبّ السياسة والسياسي، للتطرق إلى «تحولات المجتمع المغربي» (2011) [ومنه إلى العربي ككل]، منجزاً بذلك «حوارات في الثقافة والسياسة» (2006) مدافعاً عن العقل والحداثة. وهذا التداخل بين السياسي والفلسفي شكّل سمة وركيزة للمدرسة الفلسفية المغربية، اشتغل داخلها سبيلا رفقة العروي والجابري والخطيبي وغيرهم... إلى جانب الوقوف عند العلاقة بين التراث والحداثة.
وفي جانب آخر لم يميّز الرجل بين الحداثة وما بعدها.. فـ«الحداثة هي حداثة مترحلة»، بالنسبة له، ولا مسكن لها ولا موطناً قاراً أو أصلاً محدداً يمكن الرجوع إليه، إنها ملك للكل ولـ«لاأحد»، متواجدة في كل مكان وفي كل زمان.. إنها كونية بهذا المعنى، شأنها شأن أفكار الأنوار، التي انبثقت منها. إذ «يتعيّن علينا الإقرار بأن فكر الأنوار ظاهرة عالمية حتى وإن لم يتسنّ ملاحظة ذلك دائماً وفي كل مكان»، كما يخبرنا تودوروف. فنجدها في النصائح الموجهة إلى الأباطرة في الهند في القرن الثالث ق. م.، كما نجد آثارها لدى فلاسفة الإسلام خلال القرنين الثامن والتاسع، كما في الصين في فترة التجديد التي شهدتها الكونفوشيوسية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر.. ما يجعل فكرة الأنوار والحداثة، على حد سواء، فكراً كونياً، وقد وجد في الجغرافيا الأوروبية في القرن الثامن عشر أرضاً خصبة لاستنبات أفكاره ونشر جذوره عميقاً، لينتقل خارج القارة من جديد.
إولكن في المقابل يقول سبيلا: «إذا كان للمثقفين في الغرب العذر في انتقاد الحداثة والدعوة والتنظير لما بعد الحداثة لأنهم عاشوها واستفادوا منها لمدة ثلاثة قرون وفي إطارها حققت بلدانهم الكثير من التقدم، فلا عذر للمثقف العربي أو المغربي في رفض الحداثة لأننا في بداية الانخراط فيها، ولأننا نحن المستفيدون منها بالدرجة الأولى ولسنا ضحاياها، ولأننا عندما نلتفت حوالينا فإننا نجد أن ما يحيط بنا هو ما قبل الحداثة». أي أنه لا بد أن نتجاوز ما أسماه بـ«صدمة الحداثة» التي حدثت في بدايات القرن الماضي.

  • كتاب «في الشرط الفلسفي المعاصر»
    كتاب «في الشرط الفلسفي المعاصر»

ومن هذا المنطلق، انبرى محمد سبيلا للدفاع عن الحداثة ودراسة مداراتها ومخاضاتها، مستحضراً فلاسفة ومفكرين غربيين بالأخص، وعرباً لمناقشة منافذ وأصول وإمكانية تفعيل «المشروع الحداثي» في بلادنا العربية. استحضار عماده المناقشة تارة أو النقد تارة ثانية أو الترجمة أحياناً أخرى من أجل تقريب الصورة أكثر للقارئ والمطلع العربي، كما فعل في مناسبات غير قليلة داخل صحيفة «الاتحاد»، على صفحات ملحقها الثقافي، على مدار سنوات من البحث والنشر الملتزم والرصين.
وكم من مرة قرأنا ترجماته لمقالات ودراسات فلسفية وفكرية على صفحات هذا الملحق التنويري، تهتم بإشكاليات الفكر المعاصر: لمفكرين أمثال هايدغر، فوكو، فيتغنشتاين، فرويد... ومفاهيم متعلقة بالفرد والذات والحداثة عينها والمغايرة والتشابه والمثقف والسلطة... إلخ، إلى جانب تلك الكتب التي عرّبها، ومن بينها «نظام الخطاب» لمشيل فوكو (1986)، و«الفلسفة بين العلم والإيديولوجيا» لألتوسير (1974)، و«التقنية- الحقيقة- الوجود لمارتن هايدغر» (1984). وكتاب «التحليل النفسي» لبول لوران أسون، (1985)، بالإضافة إلى كتب أخرى وموسوعات فكرية ساهم رفقة آخرين في تعريبها. فالترجمة بالنسبة لهذا المفكر تعد فعلاً ضرورياً وجودياً وجسراً حضارياً وبناء ثقافياً، وأساساً وركيزة لتشييد بنى «المشروع الحداثي».

حداثات متعددة
ولا تقوم الحداثة عند محمد سبيلا على مشروع نسقي خطي، بل إنها -كما يسميها- «التعددية الخرائطية»، ما يقودنا إلى الحديث عن وجود حداثات متعددة وليس حداثة واحدة، ذات قياسات مختلفة ومحددة متباينة. وهي عنده «مجموع التشكيلات الفكرية والسلوكية ودعاماتها المؤسسية المرتبطة بظهور المجتمع العصري». ما دفعه إلى الامتناع عن الحديث عن الحداثة بصيغة المفرد، دائماً، أو جعلها ذات بعد ميتا-تاريخي (ماورائي) أو وضعها في موضع تضاد وتناقض صارم مع التراث.. فـ«الحداثة حركة انفصال، إنها تقطع مع التراث والماضي، كما يقول، ولكن ليس لنبذه وإنما لاحتوائه وتلوينه وإدماجه في مخاضها المتجدد». ومفهومٌ أنّ سِجال الحداثة لم يُحسم بعد في الحقل الثقافي العربي. وإن كانت الحداثة أحد أبرز اهتمامات المثقفين بالعالم العربي، فإننا اليوم في حديث عن ما بعد الحداثة، إلا أن هذا المفهوم (الشمولي الفلسفي المعاصر) العصي على الإمساك، لا يمثل، بالنسبة لسبيلا أبداً، مرحلة تقع خارج الحداثة عينها.. إنه أقرب ما يكون إلى مراجعة الحداثة لنفسها، لنقد بعض أسسها وتلوينها، كما أكد في عدة مناسباتٍ ضمن الملحق الثقافي لصحيفة «الاتحاد»، نموذجاً.. و«إذا كانت الحداثة الكلاسيكية تتميز بعقلانية أداتية صارمة، وبنزعة تقنية وبقدرات لامتناهية على السيطرة على الطبيعة والإنسان، فإن ما بعد الحداثة تحاول تقديم صورة أكثر إنسانية عن الحداثة بحيث تدمج في منظورها الذات البشرية الفاعلة والمعاني الغائبة، والأبعاد الجمالية محاولة الحد من بعض مظاهر أداتيتها». إنها (أي الحداثة) بذلك في «دينامكية متواصلة».. لا انقطاع فيها إلا مع الموروث الذي بقدر ما تتجاوزه تحاول إعادة إدماجه لا نبذه وإلغاءه.. إنها بذلك «قطع ووصل»، ليس كما يتوهم البعض، وإن الماضي: التراث، «حضور دائم» في الحاضر والمستقبل، يطاردنا أينما ذهبنا. وهو مقياس تحديد مستوى تقدمنا من عدمه. والحداثة في شقها الثاني هي إدماج هذا الماضي في مخاضها المتجدد.. في دينامكيتها بهذا المعنى، لاهتمامها وإيمانها بالإنسان والعقل (عقله) والعلم (علمه).

  • كتاب الحداثة وما بعد الحداثة
    كتاب الحداثة وما بعد الحداثة

الحداثة والتحديث
وعند هذه النقطة بالتحديد، سيسعى محمد سبيلا إلى التفرقة بين الحداثة والتحديث، فهذا الأخير يتعين بمظاهر الحداثة العلمية والعملية: اقتصادياً وتقنيا واجتماعياً وسياسياً... بينما الحداثة هي «حركة عاصفة»، كما يصفها. إنها «روح» هذا التحديث، والعقل الذي يقوده، نظام وشبكات من الأفكار والإشكاليات.. فكان ولابد من التمييز بينهما، وهذا ما انكب عليه سبيلا طيلة مشروعه. ما جعل «الشرط الحداثي»، عند الراحل، كما جاء في كتابه الأخير، يتطلب استيعاب ثلاثة تقسيمات حداثية، الحداثة التقنية والحداثة الاجتماعية والحداثة الفكرية، التي تقودنا إلى فهم العقل، وهو الميدان نفسه الذي اشتغل فيه محمد عابد الجابري حول العقل العربي، وإن كنا بالنسبة لصاحب «مخاضات الحداثة» ملزمون بفهم واستيعاب وإدراك هذا التقسيم الثالوثي حتى نتجاوز مرحلة التحديث إلى مرحلة التقعيد للحداثة عربياً. لقد فَكّر محمد سبيلا خارج الصندوق، وداخل فكرنا العربي، بلغة سلسة وبليغة في الآن ذاته. ولم يكن قط مثقفاً من برج عاجي، بل نزل إلى ميادين النضال، مقاوماً لكل مد ظلامي من شأنه عرقلة تأسيس الحداثة داخل الأوطان العربية، غير متخندق في أي شكل سياسي، وقد عاش حراً طليقاً في سماء النضال الفكري والفلسفي. وظل حداثياً بامتياز. وعلى خلاف الكثيرين الذين سكنوا أبراجهم المتعالية، وأقفلوا أبوابهم بإحكام في وجه الكل، كان سبيلا «مشروعاً حداثياً» يمشي بيننا، بتواضع وطيبة.. مؤمناً بأن مشروعه يجب أن يبدأ من ذاته ومن علاقته بالآخرين.
المفكر المغربي الراحل محمد سبيلا، كان وجهاً مضيئاً من وجوه الحداثة العربية وأحد أبرز مفكريها، وقد قدم الكثير من تجربته وأفكاره عبر الملحق الثقافي بصحيفة «الاتحاد» طيلة سنوات مضت. متناولاً في مقالاته جوانب من مشروعه الفكري: الحداثة والتراث، الحداثة والتحديث، الحداثة والسياسة، الحداثة وما بعد الحداثة. وقد خَلَّفَ رحيله حزناً عميقاً بين صفوف المهتمين بالحداثة والفكر والفلسفة في وطننا العربي، بل إن أقلاماً أكاديمية وفكرية غربية نعت رحيله، إذ كتب المفكر النمساوي هانس كوكلر «إن وفاة الأستاذ [محمد] سبيلا خسارة كبيرة لنا جميعاً، نحن الملتزمون في الحوار الفلسفي»، كما فعل غيره من مفكرين وأكاديميين غربيين وعرب، عرفوا الراحل عن قرب وخبروا تجربته الفكرية الحداثية.

 

الأكثر قراءة
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2021©