أسماء جزائري

هل في إمكاننا القول إنّ ما نفكر فيه هو ما نرغب فيه؟ وكيف يستطيع الإنسان إنقاذ نفسه من الحاجة التّي لها المقدرة على التّماهي مع الرغبة وتفقد فيها يقينها؟ من البدهيّ أن تكون للإنسان أشياء يحتاج إليها، تلك الحاجة الملّحة التّي لا يستطيع الزّمن الطويل وضعها جانباً، أو قد لا يكون ثمّة زمن ولو قصير للغاية مثل تنفسّك للأوكسجين، فما يحدث في هذه العلاقة يعتبر شأناً فاقداً للاختيارية أو الإرادة التّي تجعلك ترغب في هذا دون ذاك، ولها فإن رغبتنا منفصلة تماماً عن الحاجة في حين أن الحاجة مستمرة داخل رغبتنا. ومن اتجاه موازٍ يبدأ «الأنا المفكر» في الذّات في الوقت الذّي تصبح فيه الوقائع المُحتملة مؤكدة، بينما تبدأ الرغبة «الأنا أريد» في الذّات عندما تستدير الرؤى نحو المستقبل المجهول الذّي تمتلك لأجله مشروعاً إلاّ أنّك خال من النتائج، ما يجعل الذّات تعيش جدلاً لا ينتهي بين البقاء داخل حيّز المضمون، أو الذّهاب خارجه.

  • حنة آرنت
    حنة آرنت

ويظهر جلياً هذا الصّراع لو أنّك وقفت الآن عند نهاية طريق تحفظ حدوده وأمام جرفٍ عال تمتنع عن القفز لأنّك قررت حسب ذاكرتك أن القفز يشكّل اللامضمون، بالرّغم من أنه قد يخلقُ لكَ النتائج التّي تحتاج إليها، وتجهل ما هي إذا لم تكن بعد قد حدّدت هدفك، وتلك اللّحظة على الجرف والتّي قد لا تتعدّى الثواني تمّثل «الصراع بين «الأنا أفكر» و«الأنا أريد»، ولذلك تخبرنا حنة آرنت بأن التنافس بين الأنا المفكر والإرادة «الأنا أريد» نوع مختلف تماماً، فقد وقع الصدام هنا بين نشاطين ذهنيين يظهر أنّهما غير قادرين على التّعايش ولهذا قال فاليري يوماً: أحياناً أفكّر وأحياناً أكون! فعندما نقُوم بفعل اختياري بمعنى أنّنا نركز الاهتمام على مشروع مستقبليّ، فإننا لا نكون أقلّ بعداً عن الظواهر إلا عندما نقتفي أثر فكرة، إن عملية التفكير والإرادة ليستا في تناقض إلاّ في حدود تأثيرها على حالتنا النّفسية، وفي الحقيقة كلاهما يجلبان للعقل فعلاً غائباً، ولكن التفكير يجرف في حاضره الدّائم ما كان أو على الأقلّ ما كان موجوداً، بينما عملية الإرادة الممتدة نحو المستقبل، تتحرّك في مناطق تكون فيها مثل هذه القناعات مجهولة، مما يعرّضها للتشويه بالأمل الذّي يحوي هو الآخر في صلبه اهتزازات الخوف.

التفكير والذاكرة
فأين نحن حينما نفكّر وأين نحن حينما نريد؟ تبدي حنة أرنت عبر تتبعها لمسار التفكير والرغبة المأخوذة من تشكل فعل الإرادة، في كتابها «حياة العقل»، الكثير من الأحداث التّي تجعلنا نستطيع التّوقف أمام الإشارات الفلسفيّة، لا لتمنعنا من الارتماء في أحضان الماضي عبر الأنا المفكّر، بل لتفتح لنا ذلك الباب الخالي من المعالم والاتجاهات عبر «الإرادة»، فالإنسان المغمور بالذّاكرة لا يستطيع «الأنا المفكر» فيه الظهور إلاّ انطلاقاً منها باعتبارها المصدر الذّي يبني عليه التّفكير وجوده. وبالّرغم من أنّنا لا نعرف الأنا المفكر الخفيّ إلا من خلال الجسد المعبّر عنه في عالم الظواهر والمتيقن منذ بداية مجيئه بأنه سيغادر يوماً ما، يجعله وفي وضوح متجاوز غير موجود في أي مكان، فقد ظلّ بعيداً عن الأنا الذّي فقد الوعي به مّما دفع بأفلاطون أن يلقب وبتهكم الفيلسوف بالعاشق للموت، وهنا تحضر مقولة فاليري السالفة «أحياناً أفكّر، وأحياناً أكون»، التّي يدّعي بها بأن «الأنا المفكر» يتخلى عن كلّ معنى للواقع، وأنّ الأنا الحقيقيّ ذلك البارز، لا يفكّر، ما يجعلنا نقيمُ تصوراً من حيث الزمنيّة لمعرفة مكان التفكير، المكان الذّي ينظر إليه التفكير عند حنّة أرنت مرتبط دائماً بالذّاكرة التّي لها قدرة يكتسبها العقل لكي يُبقى ما مضى نهائياً حاضراً بالرّغم من أّنه يفتقد أو مغيّب للحسّ، وهذا الحضور هو حاضر «الأنا المفكر» الدائم، أو ما يقول عنه أوغسطين حاضر المطلق الأزليّ، بينما تأخذ زمنية «الإرادة» شكلها في النّظر نحو المجهول، الذّي لا يتحقق إلا بالعمل، ما تعتبره حنة شكلاً من أشكال الولادة، حيث الفعل الظّاهر فيها يضيفُ عملياً للعالم مشروعاً جديداً لم يكن ليوجد لولا «أنا أريد». فالإرادة كأداة مستقبل تريد دوماً أن تفعل شيئاً وبالتالي تحتقر ضمنياً الفكر الخالص وجميع نشاطه المكيّف بعدم القيام بشيء، ما يجعل «الأنا المفكر» يغرق في القلق ونفاذ الصّبر لأن مشروع الإرادة يؤدّي إلى «أنا أريد» غير مضمونة، حيث «الأنا أفكر» كأداة للماضي، كل ما تفكر فيه وقع وما وقع هو شأن مضمون نتائجه، فلا تهدأ الإثارة التّي تزعج الإرادة إلاّ بأنا أريد وأفعل، وهنا يخبرنا هيغل أنّ الوعي الذّاتي أو الكوجيتو منذ القديس أوغسطين إلى ديكارت، كان مقتصراً على وجهة النّظر التأملية أو النظريّة، حيث رأى ديكارت أنّ الوعي الذّاتي هو جوهر الإنسان، ما جعل هذا التقليد الفلسفي يستصغر الوعي الذّاتي الذّي يتشكل عن طريق نشاط عملي. فالإنسان لا يقتصر بحثه عن ذاته في داخله فحسب، بل هو مدفوع للعثور عليها في ما يمنح له بشكل فوري، أو ما يتمّ تقديمه له من الخارج، فالإنسان عند هيغل كائن راغب «هو مدفوع»، فإذا كان الإنسان يفكر فلأنّه يرغب، لأن طبيعته الراغبة تدفعه إلى العمل إلى مواجهة واقع خارجيّ.

  • هيغل
    هيغل

أنسنة الطبيعة
هل يعني صراعنا بالتفكير في الماضي أن «الأنا أفكّر» أطاحت بـ«أنا أريد»؟
نعيشُ في الماضي أكثر ممّا نعيشُ في المستقبل بشكله الإرادي المستقل، والذّي نلمسُ فيه اختفاء لحدث مضى، بحيث قد تختفي كلّ أشكال التّجدد وتغرق الذّات في التأمل والنظريّ المأهول، لا بفكرة النظري ذاتها، بل كأداة للماضي لا تستطيع بناء كيان وجوديّ يحرر اللحظة الآنية من الابتلاع، فمنذ سنوات نستطيع القول إنّنا توقفنا عند صورة ما أو شكل ما أو عمل ما أو ابتكار ما، أو مستوى ما وغيرها من الأمثلة وهذا تحديداً ما سيقع علينا كسقف افتراضيّ، إلاّ أنّه محسوس في اللحظة التّي نكتشفُ فيها أنّ كل ما اعتقدنا أنّه رغبتنا وإرادتنا، ما هو إلا تفكير ماضويّ خفي داخل «الأنا أفكّر»، وأنّ الإرادة بمضمونها الحقيقي لم تستطع إلى حدّ الساعة تقديم مستقبل لا يكون فيه الماضي حاضراً كامتداد لا نهائي للحدث المتوقع أو المضمون، فعلى الإنسان أن يحقق كلّ ذلك عن طريق تغيير الأشياء الخارجيّة التي يدمغها بختم داخليته، والتي يستعيد فيها قراراته الخاصة بحكم أنّه المسؤول عن تحويل الطبيعة، «يؤنسن» الوسط التي يعيش فيه، وتحويل الواقع كوسط يريد تجاوزه بالفعل إلى هدف لم يتحقق، لا من حيث ارتباطه بالرغبة المنكمشة على ذاتها لأسباب طحنت الرؤى نحو المستقبل فحسب، بل تحرير «الأنا أريد» من انتظار «الأنا أفكر»، ذلك الانتظار الذّي لازلنا لحدّ الساعة ندفع ثمنه على شكل توقعنا المستمر لمستقبل لم يظهر بعد، اختفاء المجهول كمجهول وبروزه كحتميّة تُفقد تلك القدرة التّي ترافق غالباً ما يطلقُ عليه «الحرية والتعددية»، نحن كائنات النهاية المتوقعة والحياة المحسومة سلفاً، نستطيع أن نكون أداة على الرغم من أننا مأخوذون بوهم الكينونة في يد المستقبل الذّي لا يتحقق إلا على شكل ماضٍ مستمر.