عزالدين بوركة*

وُلد الفنان الرائد شاكر حسن آل سعيد في مدينة السماوة العراقية عام 1925، وقد استطاع أن يسلك مساراً جامعياً ومهنياً في علم الاجتماع، ما قدم له رؤية دقيقة لما يصبو إليه داخل عالم الفن، إذ بالإضافة لمزاولته للفن الصباغي فقد درس أيضاً تاريخ الفن والنحت بمعهد الفنون ببغداد وبباريس وغيرهما، ما جعل آل سعيد فناناً متعدداً، فإلى جانب مهنة التدريس ومزاولة الفن فقد نشر أيضاً مجموعة من الدراسات التي تدور حول مفهوم البعد الواحد والمجال الروحي في الفن، والتجريد والتجريد المطلق، كما استطاع أن يحاور في كتاباته النزعتين الحداثية وما بعد الحداثية.. وقد جمع مجموعة من هذه الكتابات في مؤلفه «أنا الحرف فوق فاء الحرف» 1998. 
......................................

* شاعر وباحث جمالي مغربي
وهذا التعدد سيجعل الفنان شاكر حسن آل سعيد مؤثراً على مجايليه والفنانين العرب الذين سيأتون من بعده، وقد أسهم وشارك في تأسيس جماعة بغداد للفن الحديث مع جواد سليم ومحمد الحسني في عام 1951، وسيلتحق بهم محمد غني حكمت ونزيهة سليم، وقد أسهمت هذه الجماعة في التأسيس الفعلي للفن العراقي الحديث، وكانت من أولى الحراكات التي ستقود الفن العربي نحو انعطاف الحداثة. 
وفي قلب هذه الجماعة كتب شاكر حسن آل سعيد بيانات توضح الالتزام الذي نهجوه، ويتعلق بإعادة النظر في التراث الثقافي العراقي والحداثة، وقد انعكس الأمر حتى على أعمال جواد سليم (1921 - 1961) الذي استلهم في أعماله النحتية فن الحضارة السومرية (كما هو الحال في «نصب التحرير» أشهر أعماله).. وقد انعكست هذه كتابة التنظيرية على أعمال آل حسن في تلك الفترة، إذ انطبعت آثاره الأولى ببعد مشهدي، جامع بين التكعيبية والوحشية والتعبيرية والمؤثرات الحضارية العراقية والعربية، ومن ثم ما لبثت رسوماته في نهاية الخمسينيات تنحاز بصورة حازمة إلى النزعة التجريدية، لكيما تتمثل خصوصاً في التجريدية اللاشكية، كما يقول الشاعر والباحث اللبناني شربل داغر في تقديمه للكتاب المذكور، لينتهي إلى اختزالية لا تبحث إيضاح المعنى، بقدر ما تجعله مجرداً كما هو حال الحرف المنعزل عن اللفظ والكلام.
قام شاكر حسن آل سعيد بتطوير منهج نظري للفن يرتكز على اللغة العربية الأدبية والخط العربي (الحروفية بشكل أدق)، إذ يسلط شاكر حسن الضوء على فهم الحروف في تجاوز لشكلها ولهجائها، ولكن باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من رؤيته لجماليات التصميم والهندسة المعمارية للعمل.
والحال أن تجربة هذا الفنان تقع في قلب الحداثة الفنية العربية، التي استمدت من التراث العربي والإسلامي والمحلي (الثقافة الشعبية والتراث ما قبل الإسلام)، ما جعلها تجربة غنية ومتنوعة، وإن تُظهر لوحاته المبكرة نقطة التقاء وتقاطع مع حركات الطليعة الأوروبية المستوحاة من أعمال بول كلي.. فقط استطاع بعد تأسيسه «جماعة البعد الواحد» مع مجموعة من الفنانين، أن يعرج على اشتغال خاص وخالص، وأكثر قرباً من النزعة الروحانية الصوفية، وأصبحت النغمات اللونية أكثر حيادية، وأقرب إلى ألوان الأرض وألوان الجدران التي ألهمته كثيراً، من ثم ليسود الخط في بعد اشتغالي معاصر، حيث دمج في تجريدياته الأبعاد المعرفية والروحانية، التي يغلب عليها هاجس التفكير أكثر من عملية إنتاج العمل وصياغته.
ففي عمله «الجدار 124» (1990)، طمس آل سعيد العلامات، ولعب بطريقة مبهمة وسحرية من خلال مزج الحروف والأرقام والدوائر والمربعات بشكل سلس وبسيط، كأن أطفالاً مروا قرب جدار تاركين آثارهم وخطوطهم وأحرفهم غير المكتملة، وهم يفرون فرحين بما اقترفوه، ما يحول هذا العمل إلى أثر يماثل تلك الآثار الجدارية التي تعد ذاكرة حضارية لمن سبقونا، وعلامة شاهدة على وجودهم وأرضاً شاسعة لمقاربة أفكارهم وفنهم. كأن العمل الفني لديه يحمل في طياته البعدين الاجتماعي والأنثروبولوجي. ويأتي الاهتمام الكبير الذي ولاه هذا الفنان الرائد للجدار، لما يحمله هذا الأخير من أهمية كبرى في الحضارة العراقية القديمة، إذ لعب دوراً أساسياً في العملية الحربية، كما الجمالية إذ حَدّث مهندسو الملك ثلاثة من أشكال هذه البوابات، بأن كسوا سطوحها الخارجية بالجداريات الخزفية الملونة، وتلخص مشاهدها نظام الوجود وفق مقولة اللاهوت الآشوري... وكما للجدار أهمية كبرى في الفن الإسلامي، من حيث إنه الحامل الأساسي لكل تلك الزخارف والنقوش والتوريقات والآيات المدونة بمختلف الخطوط.. فالحضارة الشرقية زيادة ْلى كونها «حضارة العلامة» كما يسميها الباحث السوسيولوجي عبدالكبير الخطيبي، فهي «حضارة الجدار» أيضاً (لننظر إلى سور الصين العظيم أنموذجاً)، الذي يعد ذاكرتها وشاهداً عليها، ولهذا لم يكن من الغريب أن يتم عرض مجموعة من لوحاته تحت عنوان «الجدار» في مجموعة من المدن العالمية، وإن كانت تجربته تعد أكثر غنىً وتنوعاً.
توفي شاكر حسن آل سعيد عام 2004، مرسخاً التزامه الأدبي والفني وقدرته على استكشاف القيم المختلفة، باعتباره الأب الروحي للفن الحديث بالعراق والحروفية في العالم العربي بشكل عام.