يصف سقراط الفلاسفة بأنهم أنصاف أموات، لأنهم يعون أن للحياة صورةً أخرى غير الصورة الجسدية، وهي صورة الروح حين تتحرر من سجن الجسد والموت هو لحظة التحرير، هذا ما يعيه الفلاسفة الحقيقيون، ولذا فحياتهم مرتبطةٌ بهذا المعنى وسيكونون مثل البجع حين تغرد بهجةً بميعادها مع الموت، والفيلسوف لا يخاف إذن من الموت.
هذا ما ظلّ يقوله سقراط لتلاميذه لكي يوطن أرواحهم على ساعة رحيله، ويسخر في الوقت ذاته ممن حكموا عليه بالإعدام، فيقول إنهم لو انتظروا عليه لمات طبيعياً دون أن يسجلوا على أنفسهم عاراً سيلاحقهم على مدى الزمن الآتي، والموت عند سقراط بأي حال من أحواله ليس مخيفاً، فهو إن كان نهايةً، فهذا يعني راحةً أبديةً وخلاصاً من شقاء الجسد، وهي راحةٌ تشبه الراحة الصغيرة التي نشهدها حين ننام ليلةً كاملةً دون أحلام ودون كوابيس وحين نستيقظ نشعر أننا كنا في راحةٍ عميقة لم نر لها مثيلاً في يقظاتنا كلها، وقياساً عليها سيكون موتنا دخولاً في راحة أبدية دون كوابيس. 
والاحتمال الآخر الذي يؤمن به سقراط، هو أن الموت يعني تحرر الروح من قيود الجسد وحين تنطلق الروح، فستقابل من رحلوا من الأحباب، وهذه سعادة حقيقية. وكذلك ستقابل من عذبوها في الحياة الدنيا ولاحقوها بالتهم والإيذاء، وستكون هذه فرصةً لمناقشتهم وكشف جهالتهم، دون أن يكون لهم سلطةٌ عليه بمحاكمته وإعدامه أو سجنه، وهذا انتصار للروح من ظالميها. فالموت إذن هو بداية حياة أخرى أكثر حريةً من قيود الحياة الأولى، حيث كانت الروح تتعذب بسبب تسلط الجسد عليها وقمعه لحريتها، على أن الخيرين سيلاقون معاملةً تليق بهم، أما الأشرار، فسيلاقون جزاء شرهم، والتوازن الكوني أن تكون هناك عدالةٌ، فإن لم ندركها في الدنيا.. فلا بد أن ندركها بعد الموت، ودون ذلك سيختل ميزان الكون. وإذا وجدت أياً من الناس خائفاً من الموت فهو ليس عاشقاً للحكمة بل للجسد، وهو في تلك الحالة عاشق للشهرة والثروة «آخر أيام سقراط ص 133».
والجسد عند سقراط معيقٌ للبحث وكلما أخذ الجسد منا وقتاً تعطل البحث، ومن أراد الوصول إلى المعرفة الخالصة عليه أن يتخلص من رغبات الجسد، فالمعرفة الخالصة غير ممكنة البتة مع رفقة الجسد، وهذا يعني أنه من المستحيل بلوغ المعرفة الخالصة في الدنيا، مما يعني أن هذه المعرفة ستكون ممكنةً فقط بعد الموت.
وكل ما سندركه من معرفة في هذه الحياة لن يعدو أن يكون «بعض» المعرفة وليس المعرفة الخالصة «ص 129». وبما أن طهارة الجسد ليست كاملةً، فليس من العدالة الكونية أن نصل للمعرفة الخالصة بجسدٍ غير كامل الطهر. 
والمعرفة تترقى بمقدار ما نفصل الروح عن الجسد، وهذا هو التطهير الذي يجب أن نسعى إليه. وهذه حال عاشق الحكمة الصادق في حبها والذي ترسخت فيه هذه القناعة القائلة بأنه لن يبلغ أبداً الحكمة الجديرة بأن تسمى حكمةً في أي مكان ما عدا العالم الآخر.
والفلسفة لهذا في خدمة الله وواجبي الديني هو تحقيق معنى العدالة «سقراط 56»، وأنا عند خصومي مثل العبقرية الشريرة، ولكني لست سوى فيلسوف يمتثل أمر الله في تبيان طريق الحكمة، وشاهدي على ذلك هو فقري وأني لم أطلب مالاً ولا شهرةً، ولهذا فإني ظللت أثبت أن نبوءة العرافة عني غير صحيحة، تلك العرافة التي تنبأت أني أعلى أهل أثينا حكمةً، ولتكذيب هذه النبوءة أثبت دوماً أنني لست حكيماً وأن الحكمة الكاملة لله، وأثبت أيضاً أن حكماء أثينا ليسوا حكماء، وحكمتهم فقط حكمةٌ بشرية ناقصة لا تصمد عند الامتحان. ومضى سقراط وترك كلماته لأفلاطون كي يسجلها في كتابه «آخر أيام سقراط» وهذه بعض منها.