محمد عبدالسميع (الشارقة)

دعت ندوة افتراضيّة أقامها المكتب الثقافي والإعلامي بالمجلس الأعلى للأسرة في الشارقة إلى اطّلاع الشعراء على جماليات القصيدة العربيّة في العصر الجاهلي، والاستفادة من عنصر الخيال الذي كان يسير جنباً إلى جنب وفق معطيات الشاعر البيئية وفضائه وحسّه الإنسانيّ، ما أعطى قصيدته رونقاً لا يزال يذكّرنا اليوم بكلّ ذلك الإبداع.
شارك في الندوة التي حملت عنوان «الخيال في الشعر الجاهلي» وأدارتها المستشار الثقافي في المجلس، الأديبة صالحة غابش، الدكتور عباس محجوب مختار أستاذ اللغة العربية وآدابها، الذي تطرّق إلى أدوات الشاعر الجاهلي وقدرته على التعبير عن ظروفه النفسية ومحيطه الاجتماعي ووجدانه، ذاهباً إلى أنّ الخيال في القصيدة هو حديث النفس الإنسانيّة للشاعر، مقارناً بين الخيال في شعرنا اليوم وفي الشعر الجاهلي، وتوسّع هذا العنصر الجمالي بحسب الآفاق وتطوّر الحياة التي يعيشها الشعراء بتعاقب الأزمان.

وناقش د.مختار مدى الالتزام الفني بشكل القصيدة الجاهلية وعدم الخروج عليه في شعر اليوم، ومدى توفّر المعطيات المحفّزة للخيال كأسلوب جميل، متحدثاً عن موضوع التحوّل في القصيدة بين جيلين، وتأثير البيئة على بنية الشعر الجماليّة وخيال الشاعر، وقال: إنّ كلّ الجمال الموجود في البيئة من زهور وأشجار وألوان وأنهار وسماء صبغ القصيدة اليوم بالخيال وجعل الشعر ممتلئاً به، خلافاً للبيئة الصحراويّة، ومع ذلك فكلّ شاعر بغضّ النظر عن زمنه يعبّر عن القيم والجمال الذي يعيشه.
وقال: إنّ الخيال لا يمكن أن يفارق الشعر، فلولاه ما عاش الإنسان على هذه الأرض، مؤكّداً غنى ما يمدّنا به من حبٍّ للحياة والقدرة عليها وتشكيلها، وحول واقعية شعر الصعاليك مثلاً كنموذج في الشعر الجاهلي، قال د.مختار إنّه لم يكن ليخلو من قيم يعيشها الشعراء، بل إنّهم كانوا يتميّزون بنظرتهم الإنسانيّة للناس والحياة، فهم ينظرون إلى الحياة والمجتمعات نظرةً قد تكون مغايرة لنظرة الآخرين لهذه الأمور.
وتطرّق د.مختار إلى كتاب «الشعر الجاهلي» للدكتور طه حسين، مؤكّداً أنّه تمّ تبرئته من كل ما وصم به فكرُهُ في هذا الكتاب من خلال وثائق ودراسات معظمها يمتدح جسارته وريادته.
وقالت صالحة غابش في تقديمها للندوة، إنّ الشعر الجاهلي هو عنوان كبير دائماً يلهمنا بفضاءات ذات علاقة وارتباط باللغة العربيّة ولهجاتها القديمة، أمّا صورة الرجل العربي، فقد كانت الصحراء حياته ومدينته وبيئته ومصدر رزقه، مثلما شكّلت أيضاً قِيَمه الإنسانية وأخلاقه ولغته وعاداته وتقاليده، ومعلقات الشعراء التي تعدّ من أمهات الشعر العربي. وقالت إنّه ما من شعر من دون خيال، سواء كان جاهلياً أم غير ذلك، باعتباره يمدّ القصيدة دائماً بهويتها، أمّا الفارق فهو فقط في مدى وضوح أو هيمنة الصورة الخيالية على صورة الواقع في الشعر.