الثلاثاء 6 ديسمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

ماذا يقول لنا الشّاعر المجنون؟

ماذا يقول لنا الشّاعر المجنون؟
8 يوليو 2021 01:30

ترجمة: أحمد حميدة

زوايا كثيرة من التّاريخ تظلّ مجهولة أو مغفلة في ذاكرتنا، ولكنّها تكون مع ذلك طافحة بالكثير من الدّروس والعبر. ففي زمن هارون الرّشيد، كان ثمّة شاعر فقد ذات يوم رجاحة عقله، وكان لا يتوانى عن نظم الشّعر والتّعريض بالرشيد مراوحاً في تهجّمه بين النّقد والشّتيمة. 
كان ذلك الرّجل يحمل اسم أبي وهّاب بن عمر، ولكنّه اشتهر بين النّاس خاصّة بكنية البهلول، وإن كنّا لا نعرف إلاّ الشّيء القليل عن هذه الشّخصيّة، فقد سار ذكره بين النّاس بتلك الكنية. ونحن نعرف جيّداً أنّ تلك الكنية يرادفها في العربيّة نعت «الأحمق»، مع الإشارة إلى أنّ الحمق هنا قد يلمح في الحقيقة إلى حمق مصطنع... وفضلاً عن ذلك، ينبئنا التّاريخ أنّ هذا البهلول، وبقطع النّظر عن اقتداره في نظم القصائد، كان يتولّى أيضاً وظيفة القاضي، وأنّ هارون الرشيد طلب منه ذات يوم إصدار حكم رادع.. باتّ، يخلّصه من ألدّ خصومه. منزعجاً من هذا الطّلب، اختار بهلول انتحال صفة المجنون!! واخترقت تلك الحكاية حجب التّاريخ، لتثير تساؤلين ثابتين: كيف أمكن لإنسان في مكانة بهلول الإمعان لسنين طويلة في ادّعاء الجنون دون أن يفتضح أمره،  وكيف غدا هارون الرّشيد، ضحيّة تلك الخدعة، وتحمّل طيلة تلك السّنوات قساوة الإساءة التي كان يلحقها به البهلول دون أن يكتشف خافية السرّ في ما كان يدّعيه هذا الأخير.

وعي الشّاعر
يبدو أنّ الوقت قد حان لدحض الرواية المزعومة لـ«مجنون هارون الرشيد» تلك، لنتساءل إن لم يكن جنون بهلول المزعوم يعكس في الواقع جانباً من الحقيقة! ندرك جيّداً الصّعوبة التي سنواجهها ونحن نتخيّل مثل هذه الفرضيّة، لأنّ الشّاعر قد يكون بالمعنى الكلينيكيّ مجنوناً بالفعل، ولا تنتفي مع ذلك صفته كشاعر، فيكون تبعاً لذلك بحاجة للإفصاح عمّا يجيش به صدره..
ولنتخيّل جيّداً أنّ تكون تلك الصّعوبة كافية كيما نختلق بشأنه حكاية تستوحى عناصرها من هنا ومن هناك. فماذا عساه يقول لنا هذا الشّاعر المجنون؟ الكثير من الأشياء في الحقيقة! إنّه يسرّ لنا أوّلاً أنّ خطابه محتجز، وأنّ عدم انسجامه مع من يحيطون به هو نتيجة حتميّة للإكراه الذي يتعرّض له. كما يعني ذلك أنّ ثمّة في الحياة العامّة حالة إكراه للخطاب الشّعريّ تلزم الشّاعر بأسلوب قسريّ في التّعبير عن ذاته. ثمّ.. إنّه يقول لنا إنّ انهيار وعي الشّاعر لا يشكّل انقطاعاً كليّاً للخطاب الشّعريّ، وإنّما يحيل في الحقيقة إلى شكل آخر من ذلك الخطاب، يغدو ممكناً، ويوسّع مجال التّجربة الشّعريّة للإنسان. وكم سيبدو ذلك مريباً لو التفتنا ناحية تصوّراتنا الخبيرة في المجال الشّعريّ. إنّه يقول لنا أخيراً إنّ الشّعر فيما وراء التّلاعب بالكلمات، هو طريقة نعيش وفقها الكلمة المحفوفة بالمخاطر، طالما أنّها تقرّب الشّاعر من تلك العتبة التي يمكن أن يفقد عندها هذا الأخير توازنه. ويعني ذلك أنّنا حين نقرأ الشّعر كما ينبغي له أن يقرأ، لا يكون هذا الشّعر بصورة جوهريّة مصدراً للمتعة: إذ أنّ قراءة الشّعر تعني أيضاً أن نتهيّأ للارتجاف مع الشّاعر ومن أجله، وأن نفكّر في الهوّة التي تترصّده، لأنّ كلماته لن تتوقّف عن دفعه حثيثاً نحو تلك الحافّة المبرمة.. ولكنّه يظلّ رغم ذلك مستعدّاً لجعل الشّعر يحتلّ المكانة الأرفع، أي المنزلة المقترنة بقدره التّراجيدي.

عالم النّفس مختبِراً الشّاعر
إنّ الشّعراء المجانين الذين نعرفهم ليسوا بالكثيرين.. اشتهر منهم في أوروبا.. الإيطاليّ لو تاسّ، والألمانيّ هولدرلين، والفرنسيّان جيرار دي نرفال وأنطونان أرتو.. ولكنّنا لا نعرف شيئاً يذكر عن أولئك الذين دفع بهم جنونهم إلى ظلامات النّسيان، لأنّ المجتمع كان قد لفظهم، أو بكلّ بساطة لأنّهم لم يبدو أيّ حرص كيما تنتشر أعمالهم بين النّاس، أو أن تبقى آثارهم حيّة لأجيال قادمة. وتكون أشعار هؤلاء أشبه بأنفاس موهوبة فحسب لأولئك الذين تواجدوا مصادفة في المكان المناسب لتلقّف صداها. فكان الشّاعر المغمور يعيش ويموت، وما كان ينبثق من روحه كانت الرّيح تدفع به إلى مقابر النّسيان. وليس بوسعنا استبعاد أن يكون عددهم كبيراً: حشد من الشّعراء الذين لا ينصت لأنينهم المتوحّد والرّخيم أحد على الأرض. 
ويطرح جنون الشّاعر بالنّسبة لعلماء النّفس إشكاليّة على مستوى تمثّلاتهم المألوفة للشّعر وللجنون أيضاً، لأنّ مثل هؤلاء الشّعراء يبثّون فجيعتهم في ما يتجاوز الصّرخة.. بل لأنّهم يمنحون تلك الفجيعة.. صوتاً! ولأنّ ذلك الصّوت يقول شيئاً ما، ولأنّ ذلك الشّيء بحاجة إلى أن يكون مستوعباً، فإنّ المقاربة العلاجيّة هي التي تُستدعى كيما تكون متّسقة مع ما يقال، فيما يكون بإمكان تلك المقاربة، التّعاطى معها بصورة متوانية بوصفها حالة عابرة، فلا توظّف لـ«معالجتها» غير الإجابة المناسبة والمصطنعة التي توصي بها المعرفة بعلم النّفس.. هنا، وعلى العكس من ذلك، يُستحثّ الطّبيب كي يلوذ بذكائه الشّخصي في الإحاطة بتلك الحالة، واتّخاذ موقف انطلاقاً من خطاب ملتبس إلى حدّ ما ولكنّه خطاب لا يخلو من معنى.. وذاك موقف يستلزم منه الكثير من اللّيونة والفطنة والجرأة. ولن يتعلّق الأمر حينها بمحو آثار الوجع، كما جرت العادة في كلّ ممارسة طبيّة، وإنّما بجعل الشّاعر يتعايش مع معاناته فيحتملها على نحو أفضل. ففي مهمّته العلاجيّة يشبه عالم النّفس ذلك الذي يقف أمام كاهنة دلفي في اللّحظة التي تمنح فيها هذه الأخيرة رسالتها الملغزة. 
وقد ينضاف إلى أعراض المرض التي يتفحّصها عالم النّفس ببالغ الخبرة، خطاب ملتبس سيصطدم تأويله لا محالة بكثافة السرّ. ولا يستطيع عالم النّفس إدراك ذلك إلاّ متى غدا هو ذاته شاعراً، وأحسّ بذلك القصور الذي يعتري الخطاب الشّعريّ والذي يغدو هو قلب المقول.
إنّ إنصات عالم النّفس لمقول الشّاعر المجنون ليس بالقضيّة الطبيّة فحسب، لأنّ الألم الذي يخلّفه ذلك المقول ولا ينفع معه علاج، هو أيضاً ما ينبغي أن ينشدّ إليه انتباه المراقب العاديّ بوصفه علامة جوهريّة في القصيد. وفي هذا السّياق، يلتقي الطّبيب كما ذلك المراقب العاديّ في إنصاتهما، وإن كانت أهدافهما غير متماثلة. ولكن قد نرى أنّ تجربة الشّاعر المجنون، كتجربة سماع، تكتسي قيمة التّجربة التّلقينيّة بالنّسبة للطّبيب النّفسيّ. إنّها تفتح الطّريق أمام مقاربة أقلّ ارتهاناً للأنماط الباثولوجيّة المضمّنة في الكتب الدّراسيّة. وحتّى لو كنّا في حضرة مريض عقليّ عاديّ، فإنّ القدرة على السّماع في غمرة غموض المعنى تغدو أكثر فعاليّة بفضل مرور الشّاعر وتأثير قصيده. وعلى النّقيض من ذلك، فإنّ رفض مقول الشّاعر بوصفه لغزاً، قد يسهم في تشكّل ما يمكن أنّ نعتبره طيّة خاطئة ستكون لنتائجها امتدادات في معالجة حالات الجنون المألوفة. وسيترجم ذلك بانخفاض مستوى الإنصات، وعلى الأرجح، باللّجوء لاحقاً إلى الحلّ الكيميائيّ الذي يكون دائماً أكثر شراسة وخالياً من كلّ اعتبارات إنسانيّة. وكان أنطونين أرتو قد عاش مكابدةً تلك التّجربة المريرة!

 

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©