أبوظبي (الاتحاد)

قال غازي فيصل المليفي، الباحث المتخصص في تطبيقات الموسيقى العرقية، والأستاذ المساعد في جامعة نيويورك أبوظبي، إن الغوص بحثاً عن اللؤلؤ الذي انتشر في مختلف مناطق الخليج العربي واليمن، في خمسينيات القرن الثامن عشر، ترافق بظهور نوع من الموسيقى الغنية بالمشاعر والروحانيات، التي تلخص شوق الغواصين لأهاليهم، وتضرعهم لله ليحميهم من مخاطر البحر العديدة.
أوضح غازي المليفي، مؤسس فرقة «بوم ديوان» الموسيقية، أن موسم الغوص للبحث عن اللؤلؤ، يمتد من أبريل إلى سبتمبر، ثم تبدأ رحلات تجارة اللؤلؤ مع هبوب الرياح الموسمية في فصل الخريف، حيث كانت تجري مقايضته في زنجبار وعلى طول شاطئ منطقة سواحيلي بأعمدة خشبية من أشجار القرم، وفي الهند بالأقمشة والذهب والتوابل.
وتابع: «كان الرجال يعملون من شروق الشمس حتى غروبها، وكانوا يحظون بعائد مادي يؤمن حياة كريمة لعوائلهم، مع أنهم عاشوا سنوات قاسية حيث كانوا يتعرضون لحالات الموت الناتجة عن الإرهاق الشديد أو بسبب التغيرات المفاجئة في ضغط الماء، وربما لعدم توافر العناية الطبية عند الإصابة بأمراض عدة، لافتاً إلى أنهم كانوا يواجهون في رحلاتهم أخطاراً بحرية متنوعة، مثل قناديل البحر وأسماك القرش والعواصف.

  • غازي المليفي
    غازي المليفي

موسيقى الغوص
وحول موسيقى الغوص وتطورها، يقول المليفي: «كانت السفن المخصصة للغوص بحثاً على اللؤلؤ تسافر إلى موانئ في الهند وشمال شرق أفريقيا، حيث كانت تفرغ حمولتها من البضائع، ثم تنتظر تغير اتجاه الرياح الموسمية لتتمكن من العودة إلى الوطن. 
وخلال فترة الانتظار، يختلط الغواصون والبحارة بسكان تلك المناطق، ويتعرفون على الموسيقى التي يعزفونها، ليعودوا إلى الوطن وفي جعبتهم لحن جديد أو أغنية جديدة، أو حتى آلة موسيقية جديدة». 
ويضيف: «لذلك، تميزت هذه الموسيقى بمرونتها، كما تأثرت بالتفاعل الثقافي، نظراً لأنها وليدة مشاعر الوحدة والصداقة والفرح»، وذكر أن طاقم كل سفينة كان يضم مغنياً يدعى «النهام» وهو يتقاضى ثالث أعلى أجر بين أفراد الطاقم، ما يشير إلى أهمية الموسيقى بالنسبة لهم.
وحول سمات تلك الموسيقى، أوضح المليفي: «استمدت الكثير من صفاتها من الشعر، وبدا بعضها شبيهاً بأذكار الصوفيين، لافتاً إلى أن البحارة استخدموا الأغاني البحرية أدعية طلباً للسلامة والخلاص ترافقها موسيقى مفعمة بالمعاني التأملية والروحانية.

«الطبل البحري»
وعن الأدوات الموسيقية التي استخدموها، قال: «تم إدخال الطبل مزدوج الوجه، أو «الطبل البحري» إلى الكويت في ثلاثينيات القرن الماضي، ويُعد الأداة الموسيقية الأساسية لموسيقى الغوص، إلى جانب الصنج اليدوي الذي تم إحضاره من الهند، كما اشتهر «طبل المرواس» بوجهيه وحجمه الصغير، ويُعتقد أنه يعود إلى منطقة سواحيلي أو زنجبار على الساحل الشرقي لأفريقيا»، مضيفاً أن التأثير الهندي يظهر جلياً في إيقاعات هذه الأدوات، فضلاً عن تأثرها بالموسيقى السواحلية بشكلٍ كبير، وقد ساعد تعدد إيقاعاتها وغناها على تنسيق حركات البحارة والغواصين أثناء القيام بأعمالهم، كالتجذيف أو رفع الأشرعة.

توثيق
قال الباحث في الموسيقى العرقية غازي المليفي، إن «ديوانية معيوف مجلي» الكويتية فتحت أبوابها أمام الراغبين في تعلم الموسيقى في سبعينيات القرن الماضي، وأنه كان عضواً فيها، تبعتها ديوانيات أخرى أعادت ذكرى هذه الموسيقى ونشرتها في جميع مناطق الخليج العربي، مضيفاً «أنا وعبدالعزيز الحملي، وخالد وحمد بوناشي نعمل حالياً على كتاب يجمع الشعر والتاريخ حول هذه الموسيقى، من خلال مقابلاتٍ مع غواصين أحياء لتوثيق تلك الفترة وحماية تقاليدها الموسيقية من الاندثار».