الأربعاء 7 ديسمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

طه حسين في ذكراه.. لماذا يكرهه أنصار تيار الإسلام السياسي؟

طه حسين في ذكراه.. لماذا يكرهه أنصار تيار الإسلام السياسي؟
1 يوليو 2021 02:10

إميل أمين

عشية الأحد الموافق 15 نوفمبر 2020، كانت الذكرى الـ131 لميلاد عميد الأدب العربي الدكتور، طه حسين، وفي تلك الليلة نفسها أنهى الكاتب والناقد الأدبي المصري إيهاب الملاح، عمله الجديد المعنون «طه حسين.. تجديد ذكرى عميد الأدب العربي».
والملاح ناقد متميز له بصيرة تقدمية يسبر بها أغوار التاريخ، وهو باحث متخصص في التراث الثقافي، ونائب رئيس تحرير مجلة أكتوبر الشهيرة في القاهرة.
وعند الملاح أنه إذا كان أرسطو هو المعلم الأول في الثقافة اليونانية القديمة، فطه حسين في نظره، هو المعلم الأول في الثقافة العربية الحديثة بلا منازع.
ويقع الكتاب الصادر عن دار «رواق» في نحو ثلاثمائة صفحة من القطع المتوسط، وعبر أربعة فصول يطوف بنا الكاتب في أرجاء حياة وأعمال العميد الواسعة الأطراف والأطياف.

  • غلاف كتاب «طه حسين.. تجديد ذكرى عميد الأدب العربي»
    غلاف كتاب «طه حسين.. تجديد ذكرى عميد الأدب العربي»

«على باب العميد»
يتناول في الفصل الأول وعنوانه، «على باب العميد»، ما يشبه السيرة الذاتية، والفصل الثاني حول رؤية «طه حسين في مرايا الأجيال»، فيما الثالث يكرسه لـ«سجالات العميد.. قديماً وحديثاً»، ويخصص الفصل الرابع لـ«ملحق النصوص والصور».
ونتوقف في هذه القراءة مع مبحث من مباحث الفصل الثالث تحديداً، وفيه يتساءل المؤلف: لماذا يكره أتباع الإسلام السياسي طه حسين؟
الثابت بحسب صفحات الكتاب أن حقد الجماعات الظلامية التكفيرية المتعصبة على طه حسين كان بسبب أفكاره الإنسانية النبيلة، وفلسفته العقلية المنفتحة، ورؤيته الحضارية الرحبة والمشرقة للتراث العربي الإسلامي التي لا تروق لهم. ولأنه كان نصيراً مثابراً وداعياً إلى التعايس والتسامح والتلاقح الثقافي بين الحضارات العالمية كلها، ومدافعاً عن حرية التعبير والتفكير التجديدي والديمقراطي، واحترام كرامة الإنسان، ومعتقده الديني، والمذهبي، وحريته الشخصية، الأمر الذي يتناقض مع الطرح الديني المتعصب والمنغلق، فكان لزاماً أن يلقى جزاءه الرهيب على أيدي هؤلاء طيلة حياته وحتى بعد مماته.
أين كانت المشكلة الحقيقية للراديكاليين مع طه حسين؟
كالطبيب النطاسي يشخص الملاح المرض الأصولي لكافة التيارات المتأسْلمة، والجماعات التي تستغل الدين بهدف الوصول للحكم.
ويعزو المؤلف الموقف إلى معرفة طه حسين الموسوعية المبهرة، وقدراته العقلية والثقافية التي لا تبارى، لقد كانوا يتصيدون أخطاء الإملاء والنحو في كتابات بعض الليبراليين واليساريين، فصدمهم طه حسين بتبحُّره وتمكنه من العربية وأسرارها وإجادته المذهلة لها، وحافظته التي أعجزت كبراءهم فقرروا مطاردته، كمطاردة الساحرات في أوروبا القرون الوسطى.
ويستفيض الملاح في توصيف أزمة أنصار الإسلام السياسي، ولاسيما من بعض الأزهريين والدراعمة (أصحاب دار العلوم)، بوجه خاص، حيث كان هؤلاء وأولئك يعجزون عن مقارعته الحجة بالحجة، والتصدي له، فقد كان عملاقاً لا يطاول حتى ترأس مجمع اللغة العربية، أهم وأعرق المجامع اللغوية في العالم العربي كله.
وكانوا يستعلون على أنصار الثقافة الحديثة والموالين لتيار التجديد بأن بضاعتهم من التراث العربي قليلة، وليسوا على اتصال به، فجاء طه حسين ليثبت لهم أنهم لا يعرفون علماً حديثاً ولا تراثاً قديماً، وأن اتصالهم بالتراث لا يعدو أن يكون اتصال تكرار واجترار وحفظ وتلقين، أما هو فلا.

أذهل خصومه
ويمكننا أن نسأل المؤلف: ما الذي كان يميز العميد ويجعل هذا النفر من المتأسلمين يستشعرون الحنق والغيظ منه؟.
سطور الكتاب الذي بين أيدينا تقودنا إلى القطع بأن العميد طه حسين، كان يعرف بامتياز حدود وأبعاد هذا التراث، ودرسه وعياً وفهماً، وأنتج معرفة معاصرة، فتحت الباب لمزيد من القراءات والإضاءات والكشوفات ما أعاد النظر والبحث في هذا التراث كله، وفتح الباب من بعده لباحثين ومفكرين مصريين وعرب لإنتاج قراءاتهم العميقة لهذا التراث وإشكالياته.
وكارثة التيار الماضوي المتأسلم ونظيره من جماعة «الإخوان»، تتمثل في أنهم كانوا يدّعون احتكار المعرفة الدينية ويقولون نحن أهل التفسير والحديث والفقه والسيرة، فجاء من برع في كتابة السيرة والتراجم والإسلاميات والتاريخ الإسلامي بنظر منهجي ورؤى نقدية وكتابة معاصرة تجمع بين الدقة والإبانة والجمال، يحقق ويدرس ويخرج نصوصاً لا يعرفونها ولم يسمعوا بها ولم يقرؤوها، وأثبت لهم أن القراءة الجادة الرصينة لا تكون إلا مقرونة بالفهم والتحليل والربط والمقارنة بغيرها من النصوص.
أذهلت قدرة طه حسين الاستقصائية وشمول رؤيته ودقة عبارته، خصومه، فكانوا يقولون نحن أدرى بالقرآن، فجاء من جابههم بأنهم لا يعرفون شيئاً عن القرآن ولا جماله ولا روعة صوره وألفاظه، وبهرهم بتحليلاته وكشوفاته الجمالية وحدوسه الإشراقية.

  • غلاف «مستقبل الثقافة في مصر»
    غلاف «مستقبل الثقافة في مصر»

انفتاح وتسامح
وفي الباب الثالث من الكتاب، مبحث عن مؤلف الدكتور طه حسين الشهير «مستقبل الثقافة في مصر»، الذي وضعه قبل ثمانية عقود، وما جاء فيه كفيل بأن يهيج عليه أسراب دعاة العزلة والمنكفئين على الذات بغير تبصُّر.
كانت رؤية طه حسين انفتاحية، تسامحية وتصالحية مع الجانب الآخر من المتوسط، وقد دعا للانفتاح الخلاق على أوروبا، والاستفادة من علومها وآدابها، وتمثـل نهضتها، من غير أن يعني ذلك بالضرورة الانقطاع عن الجذور.
وبحسب الملاح وسطوره الشيقة، فقد حدد طه حسين ثلاثة عناصر شكلت الروح الثقافية المصرية، بل الشرق أوسطية بشكل أشمل، ومن ثم فإن عملية التجديد، تقوم بدورها على أركان ثلاثة لخصها في كتابه هذا:
الأول: متابعة النهضة الأوروبية بمناهجها وأفكارها.
الثاني: إحياء التراث العربي الإسلامي، وقد قام بدور كبير في ذلك.
والثالث: إحياء الشخصية المصرية بمكوناتها الحضارية والثقافية الممتدة.
وكانت تلك الأركان الثلاثة، كفيلة بأن تعرضه لانتقادات حادة وقاسية، حيث اتُّهم بأنه يعادي العرب والعروبة، ويتابع الغرب على طول الخط.
كان فكر طه حسين دعوة مبكرة لحوار الحضارات ولقاء الثقافات، دعوة سبقت أحاديث فتنة الصراع بين الأمم والشعوب بستة عقود، دعوة للتصالح مع الحاضر، والتسامح مع الماضي، دعوة من أجل أن تكون الحياة والنماء في الشرق عادة، لا الكراهية والتعصب وما يؤدي إلى الموت الأدبي ثم المادي.
وفي المجمل، فقد أجاد المؤلف في أن يضع القارئ العربي من جديد أمام سيرة العميد طه حسين، التي تمثل، من غير شك، سعياً متجدداً لتجاوز التخلف، وتأصيل قيم التقدم على أساس من الانتماء الثقافي والتفاعل الحضاري، في أبهى صوره، وأكثرها نضارة وتألقاً وتأثيراً، وبعيداً عن التكلس والأصولية البغيضة.

طه حسين.. هوامش من السيرة والمسيرة
طه حسين (15 نوفمبر 1889 - 28 أكتوبر 1973م)، أديب وناقد مصري، لُقّب بعميد الأدب العربي، غيّر الرواية العربية، مبدع في مجال السيرة الذاتية في كتابه «الأيام» الذي نشر عام 1929. يعتبر من أبرز الشخصيات في الحركة العربية الأدبية الحديثة، ولا تزال أفكاره ومواقفه تثير الجدل حتى اليوم. درس في الأزهر، ثم ابتعث إلى فرنسا ليكمل الدراسة. عاد إلى مصر ليعمل أستاذاً للتاريخ ثم أستاذاً للغة العربية، عمل عميداً لكلية الآداب، ثم مديراً لجامعة الإسكندرية، ثم وزيراً للمعارف. من أشهر كتبه: في الشعر الجاهلي (1926)، مستقبل الثقافة في مصر (1938). 
كان طه حسين، سابع ثلاثة عشر من أبناء أبيه حسين، وخامس أحد عشر من أشقائه، في قرية الكيلو القريبة من مغاغة إحدى مدن محافظة المنيا في الصعيد الأوسط المصري، ولم يمر على عيني الطفل أربعة من الأعوام حتى أصيبتا بالرمد ما أطفأ النور فيهما إلى الأبد، ويرجع ذلك إلى الجهل وعدم جلب أهله للطبيب بل استدعوا الحلاق الذي وصف لهُ علاجاً ذهب ببصره. وكان والده حسين عليّ موظفاً صغيراً رقيق الحال في شركة السكر، وقد أدخله كُتاب القرية للشيخ محمد جاد الرب لتعلم العربية والحساب وتلاوة القرآن الكريم وقد حفظه في مدة قصيرة أذهلت أستاذه وأقاربه ووالده الذي كان يصحبه أحياناً لحضور حلقات الذكر، والاستماع إلى قصص من التراث. 
دخل طه حسين جامع الأزهر للدراسة الدينية والاستزادة من العلوم العربية في عام 1902، فحصل فيه على ما تيسر من الثقافة، ونال شهادته التي تخوله التخصص في الجامعة، لكنه ضاق ذرعاً فيها، فكانت الأعوام الأربعة التي قضاها فيها، وهذا ما ذكره هو نفسه، وكأنها أربعون عاماً، وذلك بالنظر إلى رتابة الدراسة، وعقم المنهج، وعدم تطور الأساتذة والمشايخ وطرق وأساليب التدريس.
ولما فتحت الجامعة المصرية أبوابها عام 1908 كان طه حسين أول المنتسبين إليها، فدرس العلوم العصرية، والحضارة الإسلامية، والتاريخ والجغرافيا، وعدداً من اللغات الشرقية كالحبشية والعبرية والسريانية، وظل يتردد خلال تلك الحقبة على حضور دروس الأزهر والمشاركة في ندواته اللغوية والدينية والإسلامية. ودأب على هذا العمل حتى سنة 1914، وهي السنة التي نال فيها شهادة الدكتوراه وموضوع الأطروحة هو: «تجديد ذكرى أبي العلاء».
وفي العام نفسه، أي في عام 1914 أوفدته الجامعة المصرية إلى مونبلييه بفرنسا، لمتابعة التخصص والاستزادة من فروع المعرفة والعلوم العصرية، فدرس في جامعتها الفرنسية وآدابها، وعلم النفس والتاريخ الحديث، وفي العاصمة باريس درس في جامعتها مختلف الاتجاهات العلمية في علم الاجتماع والتاريخ اليوناني والروماني والتاريخ الحديث وأعد خلالها أطروحة الدكتوراه الثانية وعنوانها «الفلسفة الاجتماعية عند ابن خلدون»، وكان ذلك عام 1918، إضافة إلى إنجازه دبلوم الدراسات العليا في القانون الروماني، وقد نجح فيه بدرجة امتياز، وفي غضون تلك الأعوام كان قد تزوج من سوزان بريسو الفرنسية السويسرية الجنسية التي ساعدته على الاطلاع أكثر فأكثر باللغة الفرنسية واللاتينية، فتمكن من الثقافة الغربية إلى حد بعيد.

 

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©