الخميس 11 أغسطس 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

إيهي دوغين: الذات حين تتّحد بالوجود

إيهي دوغين: الذات حين تتّحد بالوجود
1 يوليو 2021 01:40

خالد البدور

يأتي الفيلسوف والمعلم الياباني إيهي دوغين Eihei Dōgen إلى الشعر من باب الفلسفة، يأتي محملاً بألوان غابات الجُزر اليابانية، وعبق بحيراتها الغارقة في الضباب، لكي يجلب تلك الأصوات المجهولة التي يتردد صداها أبداً في الروح الإنسانية. واليوم وبعد مرور ما يقرب 800 عام على وفاته، لا تزال قصائده، ونصوصه التأملية يتردد صداها بين رفوف المكتبات العتيقة، وخلوات المعابد اليابانية والشرقية، وحتى قاعات دروس الفلسفات الشرقية في جامعات الغرب.
ولد دوغين، المؤسس لمدرسة سوتو للزن الشهيرة في اليابان، في عائلة نبيلة عام 1200م، أي في القرن الثالث عشر، في كيوتو، باليابان وتوفي 1252م. وفي السابعة من عمره، أصبح يتيماً، حيث فقد أباه وأمه. وقد ترك شعوره باليُتم حيرة لديه كانت الدافع الأول له للبحث في سبب الشقاء الإنساني المتمثل في الموت أو الحياة المؤقتة.

التنسُّك والتأمل
وفي تلك الفترة، كان مصير الأولاد الذين يولدون في عائلات لها دور في السياسة والحكم يُحدد في السنوات الأولى من أعمارهم. وعلى العائلة أن تعرف ماذا سيكون عليه الابن في المستقبل. وكان من المتوقع أن يحيا دوغين حياة النبلاء وأهل السياسة، ولكنه ما أن بلغ الثالثة عشرة حتى اتجه إلى حياة التنسك وأصبح راهباً في أحد المعابد. وكان هذا بلاشك بدافع البحث عن إجابات للحيرة والشكوك عن الحياة والموت التي كانت تسيطر عليه. وبدأ حينها بدراسة النصوص المقدسة في البوذية، وممارسة طقوس التأمل والرياضات الروحية. إلا أن كل ذلك لم يحقق له الاكتفاء، وظل يتطلع إلى تجربة أكثر ثراءً وعمقاً.
ولهذا السبب قام بمغامرة، هي رحلة خطرة عن طريق البحر إلى الصين. وكان ينوي استكشاف عدة مراكز بوذية، بحثاً عن إجابات لأسئلة فلسفية تحيّره، ولدراسة البوذية في أصلها الصيني القديم. وبعد سنتين تحقق له ما يُعرف بالاستنارة، فعاد إلى اليابان ليؤسس معبد إيهيجي، الذي يُعتبر اليوم أحد أهم مراكز مدرسة سوتو الزن البوذية في اليابان. واستمر دوغين مدة عشر سنوات يُعلّم ويكتب في هذا المعبد، وخلال هذه السنوات ألف كتابه المهم «شوبوغينزو»، وهي عبارة تعني حرفياً «مكنز تعاليم التعبد الحقيقي»، وهو مجموعة من التعاليم ونصوص الحكمة والأشعار، ويعتبر اليوم من أهم كتب الفلسفة التي كتبت في اللغة اليابانية في تلك الفترة.

لغة مكثفة
وقد عبَّر دوغين عن أفكاره بلغة مكثفة للغاية، إلى درجة أن بعض نصوصه يصعب فهمها وتفسيرها. وبالطبع هذا يذكرنا بأسلوب الهايكو الياباني المتفرد في كثافته وعمقه. ولاشك في أن دوغين بهذا الاعتبار شاعر هايكو كبير، إلا أنه عُرف أيضاً كحكيم وفيلسوف أكثر من كونه شاعراً.
وتتركز فلسفة دوغين في التأمل، أو الزن، حسب التقاليد اليابانية، ويتم تطبيق هذه الفلسفة عملياً في وضعية بالجلوس، والتي تسمى «الزازن» Zazen، في خلوات تسمى «زيندو» Zendo. ويعتبر دوغين ممارسة الزازن ذاتها تجليات للاستنارة، واليقظة الروحية. وعبر هذه الممارسة طوّر فكرة توَحد الممارسة بالجسد كتقنية تأملية لبلوغ الاستنارة. وهذا يؤدي بالمتأمل لأن يكون هو الوجود ذاته، فتختفي الذات أو الأنا، ولا يَبقى سوى الوجود. وبالاعتماد على مفهوم وحدة الممارسة والوجود طوّر دوغين، ما يُعتبر اليوم، الممارسة التقليدية لفلسفة الزن. غير أنها، في الوقت ذاته، ليست ثابتة أو جامدة، وليست ذهنية أو نظرية، بل تجربة، فعلية، ديناميكية، وحية.
بيد أنه قبل الوصول إلى توحد الذات بالوجود ينبغي على المتأمل إزالة كل الأفكار والمفاهيم التي تثير وتزعج العقل، بما فيها الأفكار التي تحاول البحث عن الحقيقة وماهية الوجود. وإذا هيأ الإنسان ذاته، بهذا الأسلوب، فستكشف الحقيقة عن نفسها بنفسها. ويشرح دوغين العلاقة بين الذات والحقيقة من خلال المقارنة بين الماء والقمر:
الاستنارة هي كانعكاس القمر على الماء.
لا القمر يبتَل، ولا الماء يضطرب.

العقل والحقيقة
في هذه القصيدة، بالغة الكثافة، يشرح دوغين العلاقة بين العقل والحقيقة. وإذا بلغ الإنسان حالة السكون في عقله، كالماء الساكن، فإن الحقيقة الموجودة في الكون كله يمكنها أن تنعكس في عقله. فالاستنارة هي حالة انعكاس الحقيقة بشكل طبيعي في العقل، تماماً كما ينعكس القمر في الماء الساكن. وتكشف الحقيقة عن نفسها دون أي محاولة عقلية، فـ«القمر لا يبتل». وكذلك فإن العقل يصبح كمرآة تعكس الحقيقة، التي تعكس نفسها بنفسها، «الماء لا يضطرب».
ومن المفارقة في آلية عمل الوعي، أنه كلما حاول المرء تهدئته للوصول إلى السكون، كلما ازداد اضطرابه. ويحذر دوغين من محاولة بذل الجهد للعثور على الحقيقة. وبدلاً من ذلك، ينبغي تهيئة الذات بحيث يمكنها الانفتاح على الحقيقة تلقائياً، بالطريقة التي تُظهر بها الحقيقة نفسها.
ويشير مقال في «انسكلوبيديا العالم الجديد»، إلى التشابه بين فلسفة دوغين والفلسفة الظاهراتية عند إدموند هوسرل. ويُعد هوسرل مؤسس الفلسفة الظاهراتية، الذي طوّر هذا النهج الفلسفي الذي يُمكِّن الإنسان من تفسير الظواهر دون مواقف أو مفاهيم مسبقة. والاستنارة في بوذية الزن هي كذلك محاولة للوصول إلى حالة الإنسان الأصلية من خلال تحرير الذات من كل أشكال التحيزات والمفاهيم المسبقة.

من نصوص دوغين
لن أتوقف
لن أتوقف حتى
عند جدول الوادي
خوفاً من أن
يتدفق ظلي
إلى العالم.
***

البهجة في هذه الخلوة الجبلية
بهجة في هذه الخلوة الجبلية ولكني ما زلت أشعر بالحزن، 
أدرس «اللوتس سوترا» كل يوم، 
وأمارس الزازن بعقل مُرَكّز.
ما أهمية الحب والكراهية
عندما أكون هنا وحدي، 
أستمع لصوت المطر
في وقت متأخر من مساء الخريف هذا.
أنجرف برحمة في زوبعة الولادة والموت، 
كمن يجول في حلم، 
في خضم الوهم أستيقظ على الطريق الصحيح.
هناك أمر آخر يجب ألا أهمله، 
لكن لا داعي لأن أزعج نفسي الآن، 
وأنا أستمع إلى صوت مطر المساء
يتساقط على سطح معتكف المعبد
في أعماق مراعي «فوكاكوسا».
***

يأتي ويذهب
الطائر المهاجر، يأتي ويذهب
لا يترك أثراً خلفه، 
ولا يحتاج إلى دليل.
مشاهدة أزهار الخوخ وإدراك الطريق
في رياح الربيع
يُزهر الخوخ
يبدأ في التجزؤ.
الشكوك لا تُنميّ
أغصاناً وأوراق شجر.
***

الاستنارة كالقمر
الاستنارة كالقمر المنعكس على الماء.
لا القمر يبتَل، ولا الماء يضطرب.
على الرغم من أن نوره شاسع وعظيم
ينعكس القمر حتى في بركةٍ بعرض بوصة واحدة.
القمر كله والسماء كلها
ينعكسان في قطرة ندى واحدة على العشب.
توحُّد
لأن العقل حُرٌ
أستَمِعُ إلى المطر
يقطر من الأفاريز، 
تغدو القطرات
متوحدة بي.
***

في الجدول
في الجدول، 
المُسرع في المرور
إلى العالم المُغبر
شكلي العابر
لا يترك أي انعكاس.
***

كالشعر المتشابك
كالشعر المتشابك، 
الوهم الدائري
من البداية والنهاية، 
عند تقويمه، 
لا يَبقى حلماً.
***

الثلج يتساقط
يتساقط الثلج بشكلٍ واسع وبعيد، 
كل ندفة ثلج لا تشبه الأخرى تماماً، 
ولا تختلف عن الأنواع الأخرى تماماً، 
كلها، تغني وترقص، وتطارد بعضها بعضاً، 
حتى يصبح الكون كله منتعشاً بغطائها الجديد، 
حتى القمر، والغيوم، تغطيها الثلوج، 
وتطفئ اللهيب في موقدنا.
كل أنواع أوراق الأشجار والزهور تستجيب بشكل مختلف لدورات الفصول، 
ومع ذلك تظل غافلة عن برد الليل أو برد الشتاء
هكذا تستمر المواعظ لدروس «الدارما»
بجانب أشجار الصنوبر في الوديان
وأشجار الخيزران على الجبال.
***

قطرات الندى
قطرات الندى على ورقة عشب، 
لديها القليل من الوقت
قبل أن تشرق الشمس، 
لا تدع رياح الخريف
تهب بعجالة في الحقل.
***

صفاء القمر
متأملٌ في صفاء القمر
بذهنٍ خالٍ كالسماء المفتوحة
مأخوذٌ بروعته، 
أفقد ذاتي
في الظلال التي يلقيها عليّ.

 

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©