الثلاثاء 9 أغسطس 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

سلطان بن وقيش.. ميزان الشعر

سلطان بن وقيش.. ميزان الشعر
12 يونيو 2021 01:37

إبراهيم الملا

«يا خيمة الزينين تكفين/ لا تزيدي همّي عليّه
كل ما غضيت إلّاك تبكين/ ودموع عيناك خْطِرِيّه
حتى كثر ما بك تونّين/ علّلتي الروح الشجيّه
قالت: لي يلّي يعمل الزين/ لي راعي النفس الصخيّه
يلّي دلاله والفناجين/ تسمع لها في البيت غيّه
عليك يا ما تذرف العين/ وتهلّ عبرات خفيّه»

يصوغ الشاعر الكبير «سلطان بن وقيش» قوافيه على ميزانٍ دقيق، يراعي من خلاله تأثير الحدث الخارجي على الأبيات المعبّرة عن هذا التأثير، وعن أصدائه وامتداداته في النفس والروح، وانعكاسه كذلك على الذات، مستخدماً في سعيه للتوفيق بين قيمة «الدالّ» وجوهر «المدلول» إلى الكلمات السهلة الممتنعة، الذاهبة إلى المعنى مباشرة، ومن دون تكلّف أو مبالغة في الرمز والإيحاء والمداراة، مفضّلاً الجملة الواضحة والساطعة، على الجملة المبهمة والمثقلة بالكنايات والاستعارات والألغاز والحيل اللفظية، ومن الميزات الظاهرة في شعر «ابن وقيش» لجوئه للحوارات الشائقة بين الإنسان والجماد، ضمن تراتبية شعرية تنمحي فيها الفواصل والحواجز بين الكائن الواعي وبين الموضوعات الخارجية، التي تبدو في نظر الناس أنها «موضوعات محايدة» ومغمورة بصمتها وسكونها، بينما هي في نظر الشاعر «موضوعات حيّة» ومشاركة في صياغة المنظومة الحياتية والاجتماعية للناس، كما أن هذه الجمادات - من وجهة نظر شاعرنا - تفرض علينا حضورها وظلالها من خلال التفاصيل الحميمية، وبالتالي يقترن وجودها بوجودنا، ويتماهى تكوينها في تكويننا، كيف لا وهي تملأ تفاصيل عيشنا، وتطرّز طقوسنا ويومياتنا وانشغالاتنا.
في القصيدة أعلاه، نرى تأثير «الخيمة» على مشاعر ابن وقيش، وكيف أنها أصبحت طرفاً حيّاً يمكن الحوار معه، ومناقشته في حيثيّات مهمة تتعلّق بطبيعة البشر المحتمين بهذه الخيمة، والمستظلّين تحتها، وكأنها تختزن أحاديثهم، وتحتفظ بأقوالهم و«سوالفهم» وأسرارهم وهمساتهم، وتشاركهم أفراحهم وأتراحهم، دون أن يشعروا بذلك، ولكن «ابن وقيش» باعتباره شاعراً مرهف الحسّ، استطاع أن يخترق هذه المساحة الافتراضية بين «المُصْمَتِ» وبين «النّاطِقِ» ليصنع لنا مادة شعرية نابضة، تتجلّى فيها الموهبة الاستثنائية والفرادة الإبداعية لصهر «المستحيل» في «الممكن»، وبالتالي كسر الحواجز بين الغرابة والألفة في سياق مفعم بالعاطفة الحارّة والتواصل الوجداني والبوح المتبادل.
ونرى في البيت الأول من القصيدة قيمة الميزان الشعري الذي وضعه «ابن وقيش» بينه وبين خيمته، حيث يخاطبها بأريحية تذوب فيها حدود التمايز، ويصبح معها الكلام هو الصيغة المنطوقة للوجع الكتوم، المتواري في الذات المتحركة، والأخرى الجامدة، بحيث يصبح محور الحديث المشترك هنا هو صفة «الزينين» والمقصود بها «المحبوب» الذي يشغل الخيمة ويلوذ بها، والذي خلّف غيابه فراغاً موحشاً، وصمتاً محتشداً، ومشهداً خالياً من البهجة ولذّة النظر: «يا خيمة (الزينين) تكفين/ لا تزيدي همّي عليّه».. لقد تسيّد الهمّ المشهد، وصار يتوسّع تأثيره في هذا المكان الموزّع على فضاء الخيمة، وحيّز القلب، وبالتالي فإن الحوار بين الشاعر والخيمة، لا بد وأن يفتح مجالاً للاسترسال في المناجاة والشكوى والتصريح الصادق والمعبّر عن ضراوة الألم، وقسوة الفقد، وفداحة الهجران، حيث تتوالى في أبيات القصيدة المقارنات الكثيرة بين الماضي الممتلئ بالحياة والحيوية عندما كان المحبوب يشغل الخيمة بغنجه ودلاله وجماله، وبين الحاضر الخاوي والخَرِب بعد رحيل «المحبوب»، فبات حاضراً شبيهاً بالأطلال المنهدمة التي ينعق فيها النأي، ويعيث فيها الغياب: «يلّي دلاله والفناجين/ تسمع لها في البيت غيّه»، «عليك يا ما تذرف العين/ وتهلّ عبرات خفيّه»، فكل ما تبقى من بضاعة في المكان الخالي هو العبرات ورجع الذكريات واجترار الحنين للأيام البهيّة والأوقات الزاهية.
وللشاعر سلطان بن وقيش قصائد عديدة تتضمّن حوارات وخطابات مشتركة مع الجماد، مثل «القهوة» و«الدار» أو الأرض، وألعاب الطفولة، في أجواء من البراءة والعفوية، والتي يندر وجودها في القصائد الشعبية، مثل قوله في قصيدة يستعيد فيها مشاهد الماضي البعيد، نستمع في كلماتها إلى ما يلي:

«يكفي صبر يكفي دلالا/ يكفي هجر منكم يا الأحباب
تلعب بنا لعب الجهالا/ لي سوّوا الناقة من تراب»

حيث يصوّر في هذه الأبيات مشهداً آسراً خبره في طفولته، ويوثّقه لنا شعرياً بشكل لافت، عندما كان يصنع مع رفاقه الصغار منحوتة رملية تجسد شكل الناقة، مستغلين سقوط الأمطار لتحويل التراب إلى خامة مناسبة للّعب، وتشكيل عناصر وكائنات لصيقة ببيئتهم، وبالطبيعة المحيطة بهم.

حارة الخماسين
ولد الشاعر «سلطان بن عبيد بن وقيش الظاهري» عام 1942م في منطقة الجيمي بمدينة العين، وتحديداً في «حارة الخماسين» أو «اليفن» - كما كانت تُسمّى - ويذكر لنا الباحث الدكتور راشد أحمد المزروعي في دراسة له عن السيرة الحياتية والإبداعية للشاعر، أن ابن وقيش فقد والديه مبكراً، حيث توفيت والدته وهو في الثالثة من عمره، وتوفي والده بعدها بسنة، فقام عمه «سالم بن سلطان بن وقيش» بتربيته هو وأخيه، وعندما كبرا قليلاً أدخلهما حلقات تعليم القرآن الكريم، ثم تعلما كتابة وتهجئة الحروف والكلمات، ومع دخوله سن المراهقة وبدايات مرحلة الشباب، بدأ الشاعر «بن وقيش» الذهاب مع عمه سالم إلى أبوظبي ودبي على ظهور الجمال لنقل الفحم والتمور من مدينة العين إلى تلك المدن والحواضر، ويورد المزروعي فقرة من حوار قديم للشاعر ابن وقيش حول هذه الفترة، يقول فيها: «كنت أستغلّ حبّات الفحم في الكتابة على الألواح والأخشاب والكراتين التي كنّا نحملها على ظهور تلك الإبل، لأكتب عليها ما يخطر على بالي».
ولعلها كانت الفترة التي تفتّحت فيها قريحته الشعرية، والتي تجاوز فيها «الشفاهة» إلى «التوثيق» و«الارتجال» إلى «التدوين» صانعاً من أقلام الفحم السوداء معان ومفردات تشعّ من ألق الوجدان، ورقّة المشاعر، ورهافة الانكشاف المبكّر على الحياة، بمكوناتها الطبيعية والبشرية الزاخرة، وكأن ارتباط شعره بالوثيق بمناخات الغزل، كان ثمرة أولى ويانعة لهذه التجربة الغضّة مع الكتابة، ومع رسم ملامح الذات الشغوفة بالجمال، والساعية لتعويض يتمها بدفء القصيدة وحرارة البوح.
يشير الباحث الدكتور راشد المزرزعي أيضاً إلى أن «ابن وقيش» عمل وهو ما زال في الخامسة عشرة من عمره كاتباً في شرطة أبوظبي التي أسسها الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان في عام 1957م، وأثناء عمله في الشرطة تعلّم أساسيات الكتابة والقراءة والحساب، ثم انضم بعد ذلك لإحدى شركات النفط في «جبل الظنة»، وعمل بها سائقاً لسيارات الدفع الرباعي الكبيرة، ثم في بدايات حكم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّب الله ثراه - انتقل للعمل في كهرباء أبوظبي وظل يعمل بها حتى بدايات قيام الاتحاد، ليعود بعدها للعمل في الشرطة، وتقلّد فيها مناصب مرموقة حتى تقاعد عن العمل في عام 1989م وتفرّغ لشركاته التجارية الخاصة في أبوظبي والعين إلى أن وافته المنيّة - رحمه الله - في عام 1996م عن عمر يناهز الرابعة والخمسين.
وعن ملامح تجربته الشعرية يشير المزروعي إلى أن ابن وقيش كتب أولى قصائده في عام 1960م وكانت قصيدة غزلية نظّمها أثناء عمله في «جزيرة داس» يقول فيها:

«يا نديبي فوق عنديله/ تو ما خْشِعَتْ بالحبال
من ورا بحرين بعْني له/ لو بعيد ودونه رمال»

والمقصود بكلمة «عنديله» الناقة الأصيلة السريعة، مضيفاً أن ابن وقيش كتب هذه القصيدة وغيرها من القصائد الغزلية المبكرة، وهو في الثامنة عشرة من عمره، وهذا دليل على ما كان يعانيه من شوق ولهفة وهيام، وهو بعيد عن أهله وأحبابه في العين، حيث ذاعت بين الناس قصائده الجميلة والمعبّرة عن تبعات البعد والفراق، وبدأ نجمه يسطع في سماء الشعر، ووسط زملائه الشعراء العاملين معه في شركات النفط بمناطق: «طريف» و«جزيرة داس» و«جبل الظنة» و«حبشان» وغيرها، أمثال: الشاعر سلطان بن يافور، وعوض بالسبع، وعتيج بن بندوق، وأحمد الكندي، وغيرهم، وقد تأثر بهؤلاء جميعاً، كما أنه تأثر بقصائد الماجدي بن ظاهر، وقصائد الشاعرة سلمى ابنة بن ظاهر، إضافة للشعراء الكبار الذين أعجب بقصائدهم في شبابه وهم: سالم الجمري، وفتاة العرب «عوشة بنت خليفة السويدي» وسالم الكاس الذي كان جاره في مدينة العين.
ويؤكد المزروعي أن ابن وقيش كان من المساهمين الأوائل في تطوير القصيدة الشعبية الحديثة، وأن جلّ أشعاره تميل للجوانب التراثية الموظفة في قوالب معاصرة توازن بين معالم الماضي ومستجدات الحاضر، ومن الجوانب التراثية التي اهتم بها وذكرها في شعره: الحضّارة، وأيام المقيظ والظواهر الفلكلورية الأصيلة، كما أنه أبدع في القصائد الحوارية مع تفاصيل المكان، ومكونات البيئة المحليّة.
ويذكر أن الشاعر سلطان بن وقيش كان من مؤسسي البرامج الشعرية في الإذاعة والتلفزيون، وكان أول رئيس لمجلس الشعراء الذي أمر بتدشينه الشيخ زايد - طيّب الله ثراه - وتفرّع من المشروع عدّة مجالس لمناطق خارج مدينة أبوظبي، مثل مجلس شعراء المنطقة الشرقية بالعين، ومجلس شعراء المنطقة الغربية، ومجلس شعراء الإمارات الشمالية، وقد عمل ابن وقيش من خلال هذه المجالس على إحياء الشعر الشعبي وتجديده وتحديثه، عن طريق استضافته لكبار الشعراء في تلك الفترة وإتاحته المجال لردودهم ومجارياتهم، ما ساهم في جذب المستمعين والمشاهدين لهذه البرامج الشعرية وترقبها والتفاعل الشعبي الكبير معها.

«أزهار الواحة»
صدر للشاعر ابن وقيش ديوان «أزهار الواحة» عام 1984م، جمع وإعداد الباحث فالح حنظل، كما صدر له «ديوان ابن وقيش» جمع وإعداد الدكتور راشد أحمد المزروعي، ويغلب على شعر «ابن وقيش» الطابع الغزلي الغنائي، حيث أجاد في هذا الباب، وقال معظم قصائده فيه، وغنّاها الكثير من الفنانين الشعبيين، وأشهر من غنّى له الفنان جابر جاسم، والفنان حارب حسن، واشتهر بالقصائد الاجتماعية الموثّقة للنهضة العمرانية في أبوظبي والعين، أما في مجال الشكاوى والمجاريات، فقد تشاكى مع أغلب شعراء المنطقة الشرقية بالعين مثل: سالم الكاس، وسلطان بن يافور، وابن هلال، ومن أبوظبي: عتيج بن روضة، وبن بندوق، والشاعر سالم الجمري من دبي.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©