الجمعة 19 أغسطس 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

تشكيليّة الخطأ.. وإنشائيّة الأثر

تشكيليّة الخطأ.. وإنشائيّة الأثر
10 يونيو 2021 01:43

د. المعزّ الوهايبي

ما الذي يسوّغ تدبّر منزلة الخطأ في الفنّ؟ أليست كلّ العلوم والمعارف معرّضة لأن يعتريها الخطأ هنا وهناك؟ من المرجّح أنّ للخطأ منزلة مخصوصة بحسب القطاع المعرفيّ، أو القيميّ، الذي ينتسب إليه، لكن يبدو أنّ تدبّره في مجال الفنّ ليس من قبيل تصيّد هفوة هنا أو هناك ثمّ تعديلها أو تصويبها بما يخوّل تجاوزها نحو النّتيجة المشروطة بالصّدقيّة أو الصّلاحيّة كما هو الأمر في مجال العلوم، بما في ذلك العلوم الإنسانيّة، فعلى خلاف هذه الأخيرة يندرج الخطأ ضمن إنشائيّة الأثر الفنّي وقد يكون أحياناً مطلوباً لذاته في المحصّلة الأخيرة، أي في الصّيغة النّهائيّة للأثر على نحو ما نعاين ذلك في كثير من الأعمال الفنّيّة، فيكون من الخطأ عندئذ ألاّ نتحدّث عن الخطأ.
وتجارب الخطأ، جماليّاً، عديدة ومتنوّعة، ولكن نكتفي ها هنا باستحضار تجربة منها: ففي رسوم أدوارد مانيه (Edouard Manet، 1832-1883) تلوح أخطاء كثيرة تجازف بقواعد التّصوير وتتهدّد احتماليّة المشهد الممثَّل، فهي أكانت انحرافات مقصودة أم كانت سهواً أو نسياناً اعترى الرّسّام، فإنّما هذه الأخطاء تهيكل لوحاته وتسند إلى الشّخصيّات مقاماً مخصوصاً، فإذا كان مانيه ينشئ لوحة تحتفظ بأثر أسلافه وهو يقرن شخصيّاته بالموديلات التي تأتّت منها، فكيف عندئذ يندرج ضمن صنعة اللّوحة ما من شأنه أن يجاوز إمكاناتها؟

الأوضاع المعكوسة
كان مانيه قد أسرّ لأحدهم: «أمس، جاء رينو دي فيلباك Renaud de Vilbac، ولم يرَ إلاّ شيئاً واحداً، وهو أنّ العازف يعزف باليد اليسرى على غيثارة منذورة ليُعزَف عليها باليمنى»، وهذا يقودنا إلى أن نتساءل من الذي يرى الخطأ في عمل الرّسّام؟ أيّ نوع من المشاهدين هو؟ أهو الذي يقوّم الأثر بانسجامه الدّاخليّ بنيويّاً بحسب مرجعيّته الذّاتيّة؟ أهو الذي يترسّم منزلته ضمن تاريخ الفنّ؟ أهو الذي يقيس احتماليّته، بحسب إحالته المرجعيّة الخارجيّة؟.
بالنّسبة إلى رينو دي فيلباك، الموسيقيّ الفرنسيّ (1829- 1884)، لا يستطيع هذا العازف أن يستخدم القيثارة كما في لوحة مانيه لأنّها لا تكون متناسقة مع هذا الاستخدام، ومع أنّ هذا الوضع المعكوس ينطوي على مجازفة باحتماليّة اللّوحة، فإنّه، بالنّسبة إلى مانيه، ليس إلاّ تفصيلاً غير ذي دلالة، وحتّى بعد أن تزوّد بهذه المعلومة، فإنّه لم يحوّر في لوحته. ذلك أنّ تغيير الاتّجاه، وجهاً أو قفا، لا يمسّ بالمعنى طالما أنّ الغيثارة تنطوي على نفس الدّلالة، يُضاف إلى ذلك أنّ قيثارة متمثّلة في رسم من الرّسوم لا تحدث البتّة أيّ صوت، فلِمَ يتصيّد عندئذ دي فيلباك هذا «التّناسق السّيّئ»؟ ثمّ لماذا تصلح غيثارة في لوحة ما؟ إنّما هي من الأكسسورارات التي تفيد في ضبط مواقع الشّخصيّات، في الإخبار عن وضعهم وعن نشاطهم وعن مقامهم. 
باختصار، فإنّ الأكسسوارات ودلالتها تكتسي اعتباراً ضمن تناغم المجموع وفي وحدة التّمثّل، فالأكسسوارات تتعلّق إذن بالتّوافق مع الدّيكور بما هو توافق يسمى أيضاً الخصوصيّات الصّوريّة للأعضاء، مثل تناسب الشّخصيّات من حيث الحجم أو الوضع، وعليه، فإنّ التّوافق هو مجموع المعايير التي تسمح لمشهد بأن يكون دالاّ.
وإذا ما كانت رسوم مانيه معقودة على تحريفات وانزياحات مقايسة بالموديل، فإنّ أخطاء أخرى في المعنى تحضر أيضاً، من ذلك لوحته «المسيح مع الملائكة»، فثمّة تفصيل، ذو دلالة في الأيقونوغرافيا المسيحيّة، تعكس هذه اللّوحة وضعَه ممّا يضرّ باحتماليّة المشهد ويعجّل، لدى بعضهم، بتسفيهه، فالجرح يوجد من الجانب الخاطئ. 
كان بودلير قد كتب إلى مانيه قبل افتتاح المعرض لينصحه بتغيير جهة الجرح حتّى يتفادى المؤاخذات، لكنّه لم يعدّل شيئاً، تماماً كما فعل مع القيثارة رغم ملاحظة دي فيلباك، ومرّة أخرى يصرّ مانيه على «الخطأ»، وهذه الأخطاء في المعنى تتقلّب لدى المُشاهِد بين الشّعور بفعل منقوص والشّعور بانزياح إراديّ، فهل يعرف مانيه ما الذي يقوم به عندما يدرج عناصر في الاتّجاه المغلوط؟ وما الذي نستخلصه عندما يصرّ، رغم الخطأ الذي يلاحظه له آخرون، على ألاّ يعدّل اللّوحة؟ في مثل هذه الحالة، يُنظر إلى الخطأ على أنّه أبعد شأواً من أخطاء عدم الانتباه، فهو، ها هنا، يغدو قراراً وليس سهواً.

المنزلة المزدوجة للهيئة
ينبني رسم مانيه ضمن اتّساق مفارقيّ من الأخطاء، فهو يندرج، بالضّبط، ضمن هذا النّوع من التّشوّش، أو التّعقيد، (imbroglio)، نظير ما نصادفه في لوحته «الآنسة ف. في زيّ مصارعة الثّيران»، فالطّريقة التي تتحرّك بها الشّخصيّة إزاء باقي الفضاء ومفرداته تبدو عجيبة، فالآنسة ف. تلوح ضخمة على نحو فاحش، أو مفرط، مقارنة بمشهد العمق الذي تُعرض فيه معركة بين مصارع (بيكادور) وثور، فهذه اللّوحة مقسّمة إلى قسمين متمايزيْن، وهو تركيب نلاحظه في معظم لوحات مانيه حيث يبدو أنّ المستويين لا ينتسبان إلى نفس الفضاء، على نحو ما نتبيّن ذلك، مثلاً، في لوحته «الشّرفة» أو «أولمبيا».
هذا التّقسيم الشّكليّ للفضاء التّصويريّ مدعوم بتوزيع سرديّ، فالشّخصيّة تبدو مسمّرة في حين أنّه ينبغي أن تكون في حالة فعل، فيُفترَض فيها، وهي موجودة في حلبة المعركة، بأنّها تستعدّ لمصارعة الثّور مع أنّها تلوّح بسيف -وهو في الحقيقة أكسسوار من شأنه أن يوحي بالسّياق المطلوب- فإنّها تنظر ناحية المُشاهد بدل أن تواجه مباشرة الثّور، وبدل أن تكون -حتّى نستعيد غرضا عزيزاً على ميكائيل فرياد Michael Fried، المختصّ في أعمال مانيه- مستغرقة، أو ذائبة، في مهمّتها.

تشويش الشّفرة
تُشاهَد اللّوحة عادة وتُقرأ بحسب شفرة تسمح بتأويل سياقها، ومن علامات هذه الشّفرة الملابس، لكنّ مانيه يتلاعب بها، ففي ما يخصّ الزّيّ ووظيفة التّقنّع التي يضطلع بها فإنّ ملابس «الآنسة ف»، في زيّ قاتل الثّور تبدو قليلة التّلاؤم مع واقعيّة فنّ مصارعة الثّيران، فملابس الماتادور/ مصارع الثّيران لا يوجد فيها خمار على الرّأس، وهي ليست سوداء، وليس فيها جيب (من حيث يبرز قماش أسود لدى مانيه)، وأخيراً فإنّ القبّعة التي تتزيّن بها «الآنسة ف»، ليس لها أيّة صلة بقلنسوّة الماتادور، أمّا مانيه فقد كسا موديله بنفس القبّعة والحجاب اللّذين نجدهما لديه في عازف القيثارة.
هكذا يوفّر الخطأ للمُشاهِد أن يطلق عينيه في دروب جديدة للتّحليل أو التّفكير، وذلك منذ أن يجبرهما الخطأ على مراجعة ما تعوّدتا عليه من ضوابط الإبصار، فمع هذه المراجعة البصريّة تلوح آفاق جماليّة جديدة على ما كنّا نظنّه غلطة أو خطأ.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©