عزالدين بوركة (الرباط)

تتميز أعمال الفنان الإماراتي الرائد محمد القصاب، بعالمها اللوني وخصوصيتها البيئية، وقد اتسم حضوره بالنشاط والحيوية والحضور الدائم في المحافل والمناسبات التشكيلية محلياً وعربياً. ما يجعله من الأسماء التي لها دور رئيس في التعريف بالفن المحلي. ولم يقتصر هم القصاب على الشق الصباغي، فحسب، بل زاوجه باشتغالات موازية أخرى لها الدور الفعال في المجال الفني، إذ أسهم في إخراج مجلة «تشكيل» التي ما تزال تصدر حتى الآن وتضم أعمال الفنانين وأفكارهم ورؤيتهم للفن، إضافة إلى المعارض المقامة.
وسعى القصاب إلى استحداث أسلوبه الخاص، أسلوب فني يتأرجح بين الواقعيّة والاختزال الشكلي الذي يصل فيه إلى التجريد الذي يرى أنه لا يحتاج إلى تفسير أكثر من كونه ألواناً وُضعت بشكل ما، إلى جانب بعضها بعضاً.
نلمس في تجربة القصاب تأثراً كبيراً بالصابغة التعبيرية للرسام الفرنسي بول سيزان؛ من حيث منطلق الاشتغال البصري على المساحات اللونية التكعيبية، التي تنبعث منها الشخوص في تراكب لوني باهر، لكنه ينزاح عنه إلى استحداث رؤية تعبيرية خاصة لا تحاول تقليد الآخرين، لكنها تنطلق من أفكار ذاتية، عمادها الانطلاق من المحلي رؤيةً واشتغالاً، إذ لا يعمد إلى فلسفة اللون الغربية ذاتها، بل يحاول أن يعكس الرؤية المحلية لتأويلات اللون وانعكاسات الضوء وتبايناته في تضاد مع الظلمة. 
ليس القصاب - إذن - بفنان متأثر بالغربي، إذ يسعى عبر فنه إلى إبراز المحلي وإعلاء الهوية العربية الإماراتية، مبتعداً عن كل الأكليشيهات المبتذلة والمكررة، مدفوعاً بموهبته وبحثه المستدام في حقل الفنون، فهو خريج ذاته الفنية، قبل أن يكون متمدرساً على أياد فنية رائدة أخرى.

  • محمد القصاب
    محمد القصاب

وارتباطاً بالهوية والمحلية والتراث، وعبر اشتغال صابغي حداثي، فقد عمد القصاب إلى إنجاز لوحات صباغية تهتم بالبيئة الإماراتية مثل الدور والبيوت القديمة، والجمال العربية في حركتها وانسيابيتها في فضاء الصحراء الفسيح، وأيضاً تلك النسوة الإماراتية في لباسهن التقليدي العريق.
انتقل القصاب بين الفنون الصباغية الحديثة جلها، باحثاً عن ذاته وأسلوبه، من الواقعية مروراً بالانطباعية ومن ثم الجمع بين التشخيصي والتجريدي في المساحة الصباغية عينها، ساعياً إلى القبض على المرئي واللا مرئي في الآن نفسه، مبرزاً الظاهر في الهوية العربية المحلية، وكاشفاً عن البعد السيكولوجي الخفي فيها.
يكثف القصاب دلالاته ويركز معانيه، جاعلاً للوحة إمكانية الانفتاح على تأويلية أكبر غير محددة مسبقاً، ومعها على القارئ أن يحفر عميقاً في طبقات الصباغة المتراكمة، فالمعاني متروكة بين طبقات العمل وعلى القراء استخراجها، كل حسب دقته ومهارته، ما يجعل من العمل الواحد متعدداً.
بعد اشتغال مطول على الصابغات وتقنياتها، وما راكمه القصاب من أعمال فنية، استطاع أن يصل إلى انعطاف حاد في مساره الفني، عماده العفوية بكل تجلياتها في المستوى الجمالي والفكري. وقد بدأت بوادر هذا الانعطاف في عام 1994، حيث حدث انقلاب في حياة الفنان القصاب الفنية، بشأن تجربته إلى الأنضج تقنياً والأجمل لوناً، لقد بدأت هذه المرحلة بدراسة متأنية للألوان من خلال رسمه للطبيعة الصامتة والمناظر الداخلية من خلال علاقات لونية متناغمة ومتضادة وبطبقات سميكة، تجمع بين التعبيرية والتأثيرية، ما يعطيها حساً ملمسياً واضحاً، ورغم كونها دراسات لونية وشكلية، فإنها فازت بإحدى جوائز معرض جمعية الإمارات للفنون التشكيلية لعام 1994.
ويحرص القصاب على تجديد دماء أعماله وإنعاش رؤياه وأفكاره بلا انقطاع، محدثاً انعطافات حادة في مساره، كلما شعر بالامتلاء، لهذا نجده منذ انعطافه الفني ما بين عامي 2009 و2010 ابتعد عن الدلالة الشكلية إلى التجريدية التعبيرية من جديد، لكن هذه المرة مشتغلاً على تناقضات اللونين الأبيض والأسود، لهذا لا يمكن حصر أعمال القصاب ضمن خانة محددة، فهو نزق وعصي على الإمساك، ما يجعل منه فنان «المفرد المتعدد».