نوف الموسى (دبي)

الفضاءات اللانهائية للرواية، تلقي بظلالها على حياة الروائي، وتحدد في كثير من الأحيان، مراحل مفصلية وانتقالية، لا يعود فيها الكاتب إلى نفسه بسهولة، وتجسد ذلك في تصريح الروائي جلال برجس، الذي نالت روايته «دفاتر الوّراق»، الجائزة العالمية للرواية العربية، أمس الأول، في جلسة نقاشية نظمتها ندوة الثقافة والعلوم بالتعاون مع صالون المنتدى، حين قال: «سعيد جداً بكل تلك السنوات، التي عشتها مع هذه الشخصيات، تحركت طوال إنجاز العمل الأدبي، على أنني الشخصية المحورية إبراهيم الوراق، وأتذكر مرة، أثناء عودتي من العمل، كنت بصدد أن أعبر الشارع، فيما إبراهيم الوراق يهجس في داخلي، ولم أكن منتبهاً للطريق فصدمتني سيارة، كادت أن تودي بحياتي، وحتى عندما ذهبت إلى المستشفى والأطباء من حولي، ظل إبراهيم حاضراً، ما أسهم في نشوء جانب جديد في الرواية».
وعن فوزه، أوضح برجس أنها بالتأكيد جائزة مقدرة، كونها ألقت حجراً في مياه راكدة، ودفعت باتجاه تشجيع كتابة الرواية العربية وقراءتها، وساهمت في إيصال كلمته إلى القراء في العالمين العربي والأجنبي. 
واعتبر أن الرواية مقترح إنساني، ربما يروق للبعض ولا يروق لآخرين، خاصة نمط الرواية ما بعد الحداثة، كونها صعبة، وتستهدف شريحة معينة، مستدركاً أنه يحلم، أن تستهدف روايته كل الشرائح المجتمعية. 
واستهلت الجلسة بمداخلة الإعلامية والشاعرة بروين حبيب، واعترافها بأن اللغة هي أول ما شدها إلى نص برجس، الذي أخبرنا عبر «دفاتر الوراق» عن الشخصية المحورية إبراهيم الوراق، الجامعة لمكونات الشر والخير، في تركيبة غريبة لا نجدها سوى في مجتمعاتنا التي ترسم حدوداً بين المثقف والجمهور، وبين المثقف والسلطة، وبين المثقف وعالميه الواقعي والمتخيل. ولفتت إلى أن الرواية جاءت على مدار 70 عاماً، مقسمة بهندسة روائية غاية في الذكاء والدقة، وفق 7 فصول تروي حكاية 4 أجيال يتوارثون التهميش، وتقليص مهمات العقل وطغيان الفساد بكل أنواعه على فضائهم الحياتي، موضحة أن هذا النوع من الأدب أقرب إلى الأدب المفاجئ الذي يخرج بأشياء غير متوقعة، بين الحين والآخر، معيداً الثقة في الإنتاج العربي. 
 وتضمنت مختلف القراءات النقاشية ملاحظات حول «المصادفات» في الرواية، من بينها مداخلة نائب المدير العام لـ«حرف أند فاصلة ميديا» في أبوظبي أمل صقر، التي انتقدت فيها عدم المنطقية في النسق الروائي، فأجاب برجس: «في حياتنا صار الواقع أكثر خيالية من الخيال نفسه»، معتبراً أننا نعيش غرائبية فائضة عن الحاجة، فمثلاً توضيحه للقاء الشخصية الرئيسة إبراهيم الوراق بسيدة على شاطئ البحر، والذي تبين فيما بعد أنها أرملة والده، هي في الأصل واقعة حقيقية. وأوضح أن هناك طيفاً من النقاد والقراء يأخذون على الرواية فيما يتعلق بالمصادفة، وبالنسبة له فإن في الحياة يحدث ما هو أكثر دهشة وغرابة مما نعتقد. 
وحول مسألة مرجعية تقمص الشخصية إبراهيم الوراق للعديد من الشخصيات في داخل الرواية، أشار برجس، إلى أهمية تأمل تلك الشخصيات وكيف أن هناك اتصالاً بينها وبين إبراهيم الوراق، وما يعيشه من ظروف، فإحدى الشخصيات التي تقمصها في الرواية تعيش مرحلة زمنية يسودها الفساد السياسي والثقافي، وبالتالي فإنها تتشابه مع قضية إبراهيم الوراق نفسه. وقال: إن «الزمن العربي هو واحد منذ بدايته، والذي تغير فقط هو قشرته، وهي إحدى العقبات الكبيرة أمام تطورنا على مختلف الأصعدة».