فاطمة عطفة (أبوظبي)

«أحياناً يهز كيانك عمل أدبي ما ولا يعني ذلك أنه عمل غير مسبوق في تاريخ الأدب، أو أنه أفضل ما قرأت في حياتك، إنها الصدفة العمياء التي تبعث لك رسالة تساعدك على فهم ما تمر به، في اللحظة التي تحتاجها. الامتنان ليس للأعمال العظيمة فقط ولكن للأعمال التي كان دورها عظيماً في فهمنا لأنفسنا في لحظة محددة». 
هذا مقطع من الصفحة 25 من رواية إيمان مرسال «في أثر عنايات الزيات»، الفائزة بجائزة الشيخ زيد للكتاب بدورتها الـ 15، والصادرة عن دار «الكتب خان» المصرية، التي تتبعت فيها الكاتبة الطريق الأدبي والشخصي لعنايات الزيات التي أنهت حياتها في سن 27 عاماً، قبل أن تحقق حلمها في نشر روايتها «الحب والصمت» التي لفتت انتباه مرسال عندما كانت تتصفح عناوين الكتب القديمة، ما جعلها تستكشف أثر الكاتبة في رحلة أدبية وبحثية شاقة، جمعت خيوطها من خلال لقائها مع أختها لطيفة الزيات وصديقة عمرها نادية لطفي وآخرين.يضم هذا العمل الأدبي المصنف بين البحث والرواية 24 فصلاً، تتقصى فيه مرسال أثر عنايات في الأرشيف والأماكن والطرقات التي عبرت فيها الكاتبة الراحلة، إضافة إلى لقاء كل من يمت بصلة قرابة أو صداقة معها. 

قطعت مرسال مسافة طويلة في هذه الرحلة البحثية الشاقة، وكل خطوة كانت تأخذها في طريق يكشف لها عن غموض وتساؤل: «لماذا انتحرت عنايات الزيات؟» وتتزاحم إلى جانب الأسئلة الكثيرة أحداث ومعلومات جعلتها تواصل الكتابة والتسجيل لمرحلة تاريخية كاملة في الستينيات. تقول إنها لم تجد لعنايات أثراً في مجلة الجيل، لا في عام 1960 ولا قبلها ولا بعدها، مشيرة إلى أن أنيس منصور كان يتبع كل ذكر لعنايات بجملة تحمل المعنى نفسه، ففي عام 2006 يقول: «وضعت نقطة في نهاية السطر، صفراً في نهاية حياة لا تساوي صفراً، مع الأسف اختفت وهي لا تعلم!» وفي عام 2010 ينهي مقالته بـ«فنانة لم تكد تظهر حتى أخفت نفسها إلى الأبد، ماتت وليس لها أثر!» هذا ما أثار غضب الكاتبة مرسال، لا لأن منصور يحمل عنايات الزيات مسؤولية غيابها وانعدام أثرها، بل من السهولة التي يكرر بها ذلك. وتعلق الكاتبة أن هذا لم يعجبها لأن عنايات لم ترجع إليه أبداً بعد أن وعدها أن يقدمها وأعمالها الأدبية للناس.وبين كندا موطن الباحثة إيمان مرسال والقاهرة موطنها الأول، كانت رحلة البحث والتحري عن أي معلومة تتعلق بعنايات، بدءاً من شوارع القاهرة التي سارت فيها إلى مدرستها (المعهد الألماني) الذي اشتغلت فيه، إضافة إلى «مقبرة الرشيد باشا» التي وجدت فيها أخيراً مدفن الكاتبة الزيات. هذا العمل الأدبي البحثي إضافة نوعية إلى الأدب ومتابعة جادة لرسم السير الذاتية، فهو يشبه الرواية المكتوبة بعد جهود بحثية في المتابعة بين الأرشيف القضائي وشوارع القاهرة ومقاهيها وأماكنها الفخمة والتحولات التي طرأت على هذه الأماكن، جرى كل هذا بعد أن وجدت رواية عنايات الزيات «الحب والصمت» بين كتب الأرصفة. تقول الكاتبة في الصفحة التاسعة: «لو لم أصل إلى عنايات اليوم، فسترسل لي إشارة عندما تريد»، وهذا يعني الإصرار على البحث وراء الحقيقة التي جعلت الزيات تنهي حياتها. وفي الصفحة نفسها تتابع: «علمتني عنايات منذ سنين ألا شيء عنها يأتي بسهولة»، موضحة: «كأنها كانت تراقب كل شيء، وتريدني أن أصل إليها بطرق أخرى». أما في دار الوثائق، فقد كانت تحتاج الباحثة إلى وساطة للبحث عن أحمد باشا رشيد في المقابر، متسائلة: «هل أنا ألعب أم أهرب من حياتي بالبحث عن أي خيط يدلني على حياة امرأة كتبت رواية وماتت في شبابها؟ هل الرواية مهمة لدرجة البحث عن صاحبتها؟ هل قرارها المبكر بالموت هو ما يشدني إليها، أم احتمالات مستقبلها ككاتبة التي لم تتحقق؟
وتبين مرسال أن تلك الكاتبة الشابة التي بدأت رحلتها بصوت فردي هامس يتأمل شارعاً خالياً وموحشاً من خلف نافذة غرفتها، أبدعت روايتها «الحب والصمت» بلغة طازجة ومنعشة، أحياناً باردة، وأحياناً عاطفية، وأحياناً متعثرة كأنها ترجمة من لغة أخرى، كما تبدو أحياناً متأثرة بأجواء الرواية الرومانسية عامة في زمانها، وأحياناً حديثة وغرائبية وشفافة وفريدة، إنها العمل الأول بامتياز. وما يلفت النظر في جهد الباحثة أنها لم تتمالك دمعتها حين اكتشفت مثوى عنايات، وربما كانت دمعة النجاح في إنجاز المهمة.