محمد نجيم (الرباط)

بترجمة الأكاديمي المغربي سعيد بنكراد، صدرت الترجمة العربية لكتاب الباحثة الفرنسية مارينا ياغيلو «الكلمات والنساء»، وهو كتاب قيم نبشت فيه الباحثة عن قضايا تهم النوع والقاموس والهوية الثقافية والتباينات الدلالية والنحوية ولغة الذم والتحقير، وهي قضايا تعود جميعها إلى عمليات التذكير والتأنيث التي تعتمدها اللغة من أجل مواكبة حضور النوع في النحو والوظائف وفي الحياة الاجتماعية أيضا، لكن لا يتعلق الأمر بنوع نحوي خالص يتعلم الناس من خلاله قواعد المطابقة، ويتعلمون كيف يميزون بين الرجل والمرأة، بل هو عندهم مدخل أساس نحو استعادة عالم يُبنى في الرمز عبر ما يفصل الذكر عن الأنثى عند الكائنات الحية وفي أشياء الطبيعة ومظاهرها وأبعادها. للتذكير والتأنيث ضمن هذا النظام موقع خاص، فلم تعد هذه الثنائية موجهة للتعبير عن حاجة أملاها النوع النحوي في اللغة فقط، بل تحولت إلى مستودع لقيم وأحكام وتقديرات خاصة بموقع النساء والرجال داخل المجتمع، فهي الأساس الذي يقوم عليه توزيع الأدوار والمهن والوظائف والأحاسيس ونصيب الذكر والأنثى من الإرث والشهادة، ومن خلالها أيضاً يُفْصَل بين القوي والضعيف والسلبي والإيجابي، بل إن اللغة ذاتها انشطرت وأصبحت مستودعاً لكلمات تتداولها النساء، وأخرى خاصة بالرجال وحدهم.

  • غلاف «الكلمات والنساء» (من المصدر)
    غلاف «الكلمات والنساء» (من المصدر)

صيغ اجتماعية 
إن الذكورة والأنوثة، كما يقول المترجم، خاصيتان بيولوجيتان، وهما بذلك أصل التلاقح والتناسل والتكاثر.. إنهما جزء من وظيفة في الجسد سابقة على التمدن والتحضر، ولكنهما يُحددان أيضاً موقعا داخل نظام رمزي يُذكر ويُؤنث استناداً إلى سند لغوي يتميز بتقطيع خاص للمدرك الخارجي لا يراعي في الكثير من الحالات حقيقة الجنس في ما يتم تقطيعه. وهذا مصدر اختلاف اللغات في الكشف عن الجنس والعدد وتسمية أشياء الكون وظواهره، إن اللغة، على خلاف الحس المحايد، لا تُخْلص دائما للعالم الذي تقوم بتمثيله.. إنها تُصنف كائنات العالم وفق إكراهات ثقافية تختلف باختلاف معتقدات الناس وتصوراتهم للحياة والموت، وذاك هو الفاصل المركزي بين الحس في الطبيعة وبين التمثيل الرمزي في الثقافة. 
وبرأي المؤلفة، فاللغة ليست كلاً منسجماً مكتفياً بذاته، فداخل كل مجموعة لغوية تتعايش صيغ اجتماعية وجهوية، مما يعني وجود سجلات ومستويات داخل كل لغة، أي عاميات وأشكال سوقية ولغات خاصة متداخلة ومتراكبة فيما بينها، فالمتغيرات التي كانت تعتبرها اللسانيات القائمة على رؤية أحادية للغة، هامشية، يُنظر إليها اليوم باعتبارها واقعة مركزية، بل إن لابوف يعتبرها ملازمة لكل اللغات.

روابط صدامية
إن اللغة نظام رمزي لا يمكن فصله عن العلاقات الاجتماعية، ولهذا السبب يجب التخلي عن الفكرة القائلة بأن اللغة «محايدة»، والتأكيد على الروابط الصدامية داخلها، ذلك أن الغاية من اللغة ليست هي دائماً تيسير التواصل، فهي أداة للرقابة والكذب والعنف والاحتقار والقمع، وهي أيضاً أداة للمتعة والالتذاذ واللعب والتحدي والتمرد، فقد تكون تارة مستودعاً لكل المكبوتات (وذلك عبر استبطان قواعد وتابوهات)، وقد تكون تارة أخرى متنفساً أو وسيلة للتحرر.
لذلك، لا يمكن فصل علاقة الفرد باللغة عن علاقته بالمجتمع، وضمن المعايير الخاصة بالصيغ والطبقات الاجتماعية والمجموعات الإثنية والسن والمهنة والمنطقة. يشكل هذا الكتاب، استناداً إلى هذه الملاحظات، محاولة لتقديم نظرة سوسيولسانية حول الشرط الأنثوي، وسيكون للمتغير القائم على الجنس موقع خاص داخلها، ولكن على التحليل أيضاً أن يأخذ في الحسبان العوامل الأخرى، يجب تأكيد ذلك، فعلى الرغم من أن التمييز داخل اللغة كبير، فإنه لا يمكن أن يحجب عنا مختلف أشكال التمييز الاجتماعي، ذلك أن النساء لا يتمتعن بوجود اجتماعي مستقل، كما تعد اللغة أيضاً، حسب المؤلفة، إلى حد كبير، مرآة ثقافية هي ما يبرر التمثلات الرمزية (من خلال بنيتها، أو من خلال لعبة الإيحاءات أو الاستعارة داخلها)، وهي أيضا صدى للمسبقات والمسكوكات، وهي في الوقت ذاته ما يغذي هذه الأحكام مجتمعة.