إبراهيم الملا

«لا واهني اللّي رقد ما قذاه النوم/ ولا به هواجيسٍ صديرٍ وورّادي
ولا ذاق حزن اللّي جعل في الضمير رسوم/ دقيق المعنّق صابني غضّ الأنهادي
وأنا حالم حلمٍ ولا صار به معلوم/ ولا الحلم يجمع بين قايم وشدّادي
وا حالي اللّي ناحلٍ ما يشيل هدوم/ كما قرف بيضٍ جَرْوها منّها غادي»

يخوض «غصّاب المنصوري» بحور الشعر دون أن يهاب الدخول إلى معانيه الغائرة، وأخيلته العاتية، وقوافيه وأوزانه الجامحة، كيف لا وهو أحد الركائز العتيدة التي استند عليها ميراث القصيدة الشعبية بالإمارات، فصار من علاماتها السامقة، ونماذجها الحاضرة والمتألقّة دوماً في الذاكرة المحلية المنتمية لروح الجسارة والإقدام واستحضار المعاني العصيّة على غيره من الشعراء، من أجل سبكها وتوليفها في قوالب شعرية زاهية ومضيئة ولامعة.
في القصيدة أعلاه، يؤكّد المنصوري علوّ كعبه في مجالات «الوصف» بأنساقه التعبيرية وأبعاده المشهدية، والتي تتجلّي فيها قدرته على تشخيص الصور اللصيقة ببيئته وتوظيفها لصالح مفرداته البليغة، النابعة من معاناة حقيقية اختبرها جيّداً في تحوّلات الهوى، ومكابدات العشق، واحتراب الوجد، وصنوف الاشتياق، ذاكراً في البيت الأول من القصيدة أن النّائين بأنفسهم عن معارك الحب، لا يعانون وجع التفكّر، وويلات السهاد والأرق، ولذلك فهو يغبطهم على هذه النعمة، التي يقابلها لدى العاشق عذابات متكررة، خصوصاً عند تنازل سلطان النوم عن عرشه، حيث يعاني العاشق من «القذى» و«الهواجس» والتخيّلات الشرسة التي تحرمه لذّة الرقاد وهدأة الاسترخاء: «لا واهني اللي ما رقد ما قذاه النوم/ ولا به هواجيس صديرٍ وردّادي» واستخدام الشاعر هنا لكلمتي صدير وردّادي، أي الرعاة الذين يصدرون من نبع الماء والآخرون الذين يردون إليه، فيه تشبيه بليغ لحالة القلق التي يعاني من تبعاتها المحبّ، فهو حائرٌ بين قبولٍ وصدٍّ، وبين ربحِ وخسارةٍ، لا يعرف متى ينال مقصودِه، ولا متى يعثر على مطلوبِه.
ويسترسل شاعرنا بالبيت الثاني من القصيدة في استحضار الصور المدهشة المعبّرة عن مكنون فؤاده ولواعج قلبه، قائلاً: إن المتخلّصين من عبء المحبة، لم يذوقوا الحزن الجاثم على الروح بعد الفراق، فهو حزنٌ انطبعت رسومه وآثاره في دواخل النفس وفي أعماقها، موضحاً في الشطر الثاني من البيت أن أوصاف المحبوب فرضت حضورها في الذهن، فلا مهرب من تأثيرها الطاغي وامتدادها الجارف، «ولا ذاق حزن اللّي جعل في الضمير رسوم/ دقيق المعنّق صابني غضّ الأنهادي».
ونتلمّس في البيت الثالث من القصيدة براعة الشاعر غصّاب المنصوري في الجمع بين الأضداد واستثمار جماليات هذا التضاد لضخ معانيه الشعرية بالمشاهد المتحركة أمام المتلقّي وكأنها بنت لحظتها، وكأن المكان والزمان الذين أنتج فيهما الشاعر قصيدته ما زالتا نابضتين ومتجسّدتين أمام حواسّنا ومرئيّاتنا: «وأنا حالم حلمٍ ولا صار به معلوم/ ولا الحلم يجمع بين قايم وشدّادي»، فبعد أن أتى بوصفين متضادّين في البيت الأول وهما (صدير وورّادي) يأتي في البيت الثالث بوصفين آخرين متضادّين هما: «قايمٍ وشدّادي» فالقايم هو المقيم أو المستقرّ في محلّه ومسكنه، وشدّادي هو الذي يشدّ أمتعته من أجل الرحيل، فبين ثبات وحركة، وبين مكوثٍ وسفر، يطرّز شاعرنا أبياته بكلمات ينحتها نحتاً، ويزوّقها ويزخرفها كي تشعّ إيحاءاتها وظلالها في الذهن والقلب والخاطر، وهو بذلك يدلّل على مكانته كشاعر مبدع قلّ أن تجود بمثله البيئات المتنوعة في المكان، سواء الساحلية منها، أو الجبلية، أو تلك المنتمية للبادية بأفقها المفتوح على تأملات لا يحدّها خيالٌ أو نظر.
ونرى في البيت الرابع ما يمكن أن نسمّيه: «الرونق المضاعف للكناية» عندما يقول غصّاب: «وا حالي اللّي ناحلٍ ما يشيل هدوم/ كما قرف بيضٍ جَرْوها منّها غادي»، مشبّهاً نفسه بعد نحول جسمه من هجر محبوبته، بالناقة التي تقشّر جلدها بعد فقدانها لوليدها، وعدم قدرتها على العثور عليه، وتسمى الناقة أيضاً ب «الخلوج» إذا مات وليدها وظلّت تحنّ إليه كثيراً، فتبقى حائرة الفكر، وهزيلة الجسد، ومشتتة الذهن، في مشهد يثير الأسى، ويستجلب التعاطف، ويجعل الفَطِنَ الكَيِّس، غافلاً ومنشغل البال.
يكمل الشاعر غصّاب قصيدته اللافتة هذه قائلاً:

«صديقٍ ومن عقب الصداقة غدالي قوم/ يدوس النّحس متعمّد هوب نشّادي
ولي مِن نوى قتلي نقض جادلٍ مبروم/ على ضامر كنّه قراطيس بغدادي
ويا بو نهودٍ تحت ثوب الهوى مزموم/ يا ما بكينا والبكا فيه ما فادي
بكينا على غضّ النهد بو ثلاث رقوم/ بكي جاهلٍ يبكي على ولف لاجدادي»

ونستشعر في هذه الأبيات تأثيرات اللغة الفصيحة على قصائد غصّاب المنصوري، حيث المعجم العتيق للغة العرب ما زال حيّاً في اللاوعي، وما زال يفصح عن كنوزه وجواهره اللغوية في بنية القصيدة الشعبية، فنرى مفردات مثل: «نقض، ورقوم، وضامر، ومزموم» وغيرها من الكلمات ذات الجذر الفصيح، والتي نراها وهي تتنفس في فضاء اللهجة المحلية، رغم التحويرات التي جرت عليها وسط ظروف بيئية واجتماعية فرضت إيقاعها اللحني المختلف، مع الاحتفاظ بالوهج القديم للكلمة بكل حمولاتها التعبيرية، وبكل معانيها المُخْتَزَنَة.

كريم الخصال ودمث الخلق
يذكر الباحث الدكتور حمّاد الخاطري في الجزء الثاني من كتابه: «أعذب الألفاظ من ذاكرة الحُفّاظ» أن غصّاب المنصوري كان كثير التنقل في ربوع منطقة الظفرة كعادة بعض أهالي تلك الناحية من إمارة أبوظبي، وفي بعض سنين المحل والقحط يظعن مع جماعته إلى أطراف بادية المملكة العربية السعودية المجاورة لدولة الإمارات، هذا في مواسم الشتاء، وأما في مواسم القيظ فكان يقيم في منطقة: «ليوا»، حيث تكثر محاضر النخيل الممتدة من الغرب إلى الشمال في الجزء الغربي الجنوبي من إمارة أبوظبي.
ويضيف الخاطري أن غصّاب المنصوري كان يملك إبلاً كحال البدو، كما عرف عنه أنه عمل في البحر غيصا في مواسم رحلات الغوص كشأن أبناء قبيلة المناصير ومن جاورهم من قبيلة أبناء المزاريع، وعرف عنه أيضاً بأنه كان كريم الخصال ودمث الخلق وكان محباً للبادية، فأغلب قصائده يتعرض فيها لوصف حياة البادية، وقد ترك له والده بعد وفاته مهمة إعالة شقيقتيه، وبقي يرعاهما حتى تزوجا.ويذكر لنا الخاطري أن قصائد غصّاب تتميز عن قصائد غيره من الشعراء بابتكار الأوصاف العجيبة والأساليب الشعرية الفريدة، وقد برع في الشكاوى والمجاريات، وكان ضليعاً في الوصف والتشبيه، وتضمين قصائده بالرموز والألغاز، خصوصاً ما يتعلق باسم محبوبته وأوصافها، والعشيرة والقبيلة التي تنتمي إليها، حيث يضع في أجزاء القصيدة كلمات ومفردات تلمّح للاسم دون أن تكشفه صراحة، ويستطيع المتلقي الذكي والنبيه التقاط الإشارات الدالّة وربطها مع بعضها كي يصل للجواب، ويستطرد الخاطري، قائلاً: إن الألغاز التي يستخدمها غصّاب لصيقة بأسلوبه الشعري الخاص، وتختلف عن الألغاز أو قصائد «الغطو» المعروفة الأخرى مثل: «الدرسعي» و«الأبجدي» و«الريحاني»، وبالتالي فهو يملك قصب السبق هنا، ويعتبر رائداً في هذا المجال. ويقول الشاعر المعروف صالح بن علي بن عزيز المنصوري عن شعر «غصّاب»: «إنه يتميز عن أشعار غيره ممن عاصروه أن معظم هواة الشعر لا يتغنون إلا بأشعاره في معظم المجالس، وحتى في تنقلاتهم على ظهور الهجن، لأنه يمتاز بالرقة والعذوبة». توفي الشاعر غصّاب المنصوري في منطقة «الحمرا» بمنطقة الظفرة في سنة 1958م، وغاب معه معظم شعره، حيث إن التدوين في وقته كان شبه معدوم، ويعود الفضل في الحفاظ على ما تبقى من شعره لذاكرة الرواة الذين استطاع الباحثون توثيقها قبل أن يطويها النسيان.

إقدام وشجاعة
ولد الشاعر محمد بن حاضر بن خزام المخزومي المنصوري، المشهور باسم غصّاب في بادية الظفرة عام 1895م، وقد يكون لقبه «غصّاب» مستوحى من إقدامه وشجاعته، وقد يكون بسبب فحولته الشعرية، وقدرته على خوض البحور الصعبة للقصيدة الشعبية وترويضها وتطويعها من خلال مخزونه اللغوي الوافر، القادر على استيفاء المعاني وترجمتها بأجمل العبارات، وأكثرها دقّة وارتباطاً بمشاعره الفردية، وبالمشاعر الجماعية أيضاً ضمن نطاق بيئته الموزعة بين الساحل والصحراء، أو بين مياه الأزرق الكبير ورمال البادية الممتدة.