إبراهيم الملا

يَهْلا بهوى لِمودِّ/ لي عن هواه أنسال
في ها الضمير مسدّي/ ودّه عليه ظلال
ما ينلحج له سدِّ/ يمّه غزير اليال
قم يا رسولي وَدِّ/ طَرْسٍ فيه لَمْثال
إنصاه وهات الردِّ/ لي مسجنّي عِلال
على علايج ضدِّ/ مطعّمات حيال
ما خذ مثل من حدّ/ في زينه والعدال
عنق الظبي لي صدِّ/ ما ينقرب جفّال

يأخذنا الشاعر حمد بن عبدالله العويس في القصيدة أعلاه إلى مسارب العشق وتفاصيله، ويضيء لنا مناطق خافية في عتمة أحاسيسه، ومكامن أشواقه، منطلقاً من الخاص إلى العام، ومن المتواري إلى الظاهر، ليعلن عن ترحيبه الحار بهوى المودّة، الذي طالما انشغل به، وتقصّى أخباره، وعانى من غيابه، «لي عن هواه أنسال» مستدركاً في البيت الثاني من القصيدة، خصوصية المحبوب، ومقامه العالي، وحضوره العزيز الذي لا يعرف كنهه سواه، ولا يقدّر قيمته إلاّ من احتفظ بطيفه وذكراه في دواخله: «في ها الضمير مسدّي/ ودّه عليه ظلال» إنه العشق المحميّ في ظلّ القلب، والمستور في الجوانح، والساكن في الضمير، لذلك فإن كل وصف أو تشبيه لن يطابق الأصل ولن يطغى على المنبع «ما ينلحج له سدِّ/ يمّه غزير اليال» ويؤكد هذا المقطع الشعري على قدرة الشاعر حمد العويس في الإتيان بالعبارات العجيبة، والمفردات المدهشة، ليشيّد بناءً جمالياً، لا تستنفذ طاقته التعبيرية، ولا تتوقّف معانيه الزاهية في التدفّق نحو خيال المتلقّي، ونحو رغبته المتعطشة للمزيد من هذه الصور اللافتة، والمشاهد البديعة، يخبرنا الشاعر أن مديات عشقه شبيه بالسيل العارم، فلا قياس لعمقه، ولا لعلوّه، ولا لغزارته، فهو جارف، وطاغٍ، ولا يمكن مقاومته، موضحاً أن استسلامه لهدير العشق هذا، هو استسلام بطعم النصر، فلا حيلة للعاشق سوى الخضوع، ولا مهرب له سوى اللجوء إلى مصدر الخطر، وهذا التداخل بين حسّ الطريد وحسّ المُطارِد، هو ما يجعل من الأضداد ملحاً للقصيدة، وجانباً مشوّقاً للتفاعل مع أجوائها، ومع تتابعها السردي، وخوض غمار الأحاسيس الفائرة فيها حتى نهاياتها.
يكمل شاعرنا «حمد العويس» قصيدته بالإشارة واللمح والاستعانة بالوسائط المساعدة له كي يتجاوز محنة الترقّب، وقلق الوصال، ووعورة درب الهوى، لاجئاً للمرسول والرسالة، كي يخفّف من وطأ المواجهة المباشرة، وكي يداري لهفته الفضّاحة، ويؤجل اشتياقه الجامح، وكأنه يروّض الوقت، ويتجنّب شراسة الانتظار: «قم يا رسولي ودِّ/ طرس فيه لمثال» إنه يمدّ جسر اللقاء ولكن لا يعبره، ويورد الأمثال في الطرس «الرسالة» مستعيناً بالرمز بدلاً من الإيضاح، حتى لا يستنزف مقاصده كلها، وحتى لا يخسر رصيده الكامل من الالتياع والرغبة والصبابة.
موضّحاً في البيت التالي حجم معاناته وعمق جراحاته: «إنصاه وهات الردِّ/ لي مسجنّي عِلال) فعلّته ومصابه لن يداويهما سوى ردّ المحبوب، ففي هذا الردّ سيكون شفاؤه، وستكون الكلمات الواردة من الطرف هي الدواء الأخير لإنقاذه مما هو فيه من شقاء وعنت ومكابدة، مستعيداً في البيتين الأخيرين من القصيدة صفات محبوبه، وهي صفات افتراضية على كل حال، ولا يمكن أن توفي المحبوب حقّه، ولا أن تلامس حقيقته، مستحضراً صورة الظبي في الصحراء، وسط المكان المتآلف معه، والمنطلق فيه بحريّة وانتشاء وبسلوك فطري يرفض القيود وأشكال الحصر والحيازة والانغلاق:

«ما خذ مثل من حدّ/ في زينه والعدال
عنق الظبي لي صدِّ/ ما ينقرب جفّال) 

مؤكداً أنه لا مثيل لمحبوبه، فهو نسيج وحده في الزينة والاعتدال، وقد اشتبك فيه الجمال الخارجي مع العفّة الداخلية، لذلك فإن وصفه بالظبي أتى في محلّه، وأصاب هدفه، فهو بهيّ الطلعة ولكنه صعب المنال، يشعّ ببريق الفتنة، ولكن لا يُستطاع الظفر به، وهو كذلك يجفل من الغريب، والاقتراب منه في هذا الحال، من المُحال.

جزالة التهذيب
يصف الشاعر الراحل حمد بوشهاب، حمد العويس بأنه يصوغ شعره بأسلوب تمتزج فيه سهولة التركيب بجزالة التهذيب، مضيفاً: تقرأه فتحسّ في نفثاته عفّة البداوة وقد شذّبت برقة أهل الحضر، ذلك أنه شاعر حضريّ النشأة إلاّ أنه بدويّ المنتزع، ففي مرابع البدو أمضى جلّ أوقاته، فصار لها معايشاً ولأهلها مصاهراً».
أما الباحث راشد المزروعي فيصف شعر حمد العويس بأنه شعر يطغى عليه الغزل، حيث أبدع فيه، وكاد يكون جلّ شعره غزلاً، مضيفاً: «لم لا والغزل هو الفن الذي يدخل إلى القلوب، ويريح النفوس، ويطرب الآذان»، مشيراً إلى أن حمد العويس كتب أيضاً في مجالات المدح والوطنيات والنصح والاجتماعيات، وتناول في شعره الشكاوى والردود والمساجلات متأثراً بالشاعرين الكبيرين ابن ظاهر وسعيد بن عتيج الهاملي، فاستقى من الأول الحكمة والنصائح، وأبدع في فنّ «الونّه»، كما أبدع فيها الهاملي، كما قال أيضاً في الردح وفي المقالة، وفي القصائد المثلوثة من بحر «الونّه»، حيث جارى الهاملي في ونّاته، بشتى الأغراض والقوافي التي تطرق لها بن عتيج الهاملي، مثل القصيدة التي يقول فيها العويس:

«شرتا صلّب ينوبي/ ياب أخبار الحبيب
يا من جدا محبوبي/ لي مدعنّي سليب
شيّد ومدّ طنوبي/ داخل حشاي يطيب
بيده شفا لقلوبي/ راع الصدر الرحيب
يا غفّار الذنوبي/ تسمع ندا لمنيب
تردّ لي مطلوبي/ راع العود الرّطيب»

أعلام في الثقافة والأدب
ولد الشاعر حمد بن عبدالله العويس في العام 1905م في بلدة «الحيرة» بالشارقة، وانتقل إلى رحمة الله في عام 1991م، والده هو الوجيه وشيخ العلم عبدالله بن سلطان بن عبدالله بن مايد العويس، علّم أولاده القراءة والكتابة والحساب والمعارف الدينية، فأصبحوا أعلاما في الثقافة والأدب والتاريخ والتجارة.
وكما يرد في الجزء الثالث من كتاب «أعلام الشعر النبطي في دولة الإمارات» للباحث الدكتور راشد أحمد المزروعي، فإن تسمية أسرة شاعرنا بالعويس، تعود إلى الجدّ الأكبر للعائلة وهو سلطان بن عبدالله بن مايد، والذي كان يملك سفينة كبيرة أو «لنج» يطلق عليه العويسي، وكان مشهوراً بشكله وحجمه وأهميته التجارية الكبيرة، فكان الناس يقولون للجد سلطان: «راعي العويسي» أو ذهب «العويسي» وجاء «العويسي»، إلى أن ارتبطت هذه التسمية به، ثم تحوّرت الكلمة مع مرور الزمن إلى: «العويس» أو «بن عويس».
ويضيف الباحث المزروعي أنه في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، وبعد كساد تجارة اللؤلؤ انتقل شاعرنا حمد العويس للعمل في المناطق البريّة التابعة لإمارة الشارقة، حيث حصل على ترخيص لبناء محطة تزويد للوقود هناك، خاصة أن هذه المناطق أصبحت آنذاك محطة عبور لسيارات الشحن «البيدفورد» القادمة من الساحل الشرقي ومن الباطنة بسلطنة عمان، والمتجهة إلى مدن الساحل، خاصة دبي التي أصبحت مركزاً تجارياً متنامياً، مضيفاً أن الذيد كانت هدفه الأول، فافتتح محطة بترول صغيرة فيها، بجانب افتتاحه محال بيع السلع ومطعماً لخدمة أهالي تلك المناطق من البدو والمسافرين وسائقي الشاحنات، وقد انتقل شاعرنا للعيش في هذه المناطق بصفة دائمة، إذا أحبها وأحب أهلها، وجذبته حياة البدو وبساطتهم ونخوتهم، فقرر الزواج هناك، وعاش حياة البداوة لسنين طويلة، وعشقها وألفها وامتزج بها، حتى عاد في أواخر حياته إلى مدينة الشارقة وتوفي بها.
ويذكر رجالات المجتمع ممن عاصروه أنه كان رجلاً كريماً ووقوراً يحب الخير للجميع، واعتمد عليه حكّام الشارقة، وكان صديقاً ومستشاراً مخلصاً لحاكم الشارقة السابق المغفور له الشيخ خالد بن محمد القاسمي، كما كان الشاعر حمد العويس من ضمن المثقفين الذين حرصوا على إدخال التعليم النظامي في الإمارات منذ عام 1950م، كما كان أديباً مطّلعاً على كتب الأدب والشعر، والمجلات والصحف، ساعده في ذلك الانفتاح الثقافي في الإمارات منذ الأربعينيات الماضية، وكان لنشأته المبكرة في منطقة «الحيرة» دوراً في ذلك، فهي منطقة اشتهرت بنشاطها الثقافي والشعري، وخرج من معطفها العديد من رجالات الثقافة والعلم بالدولة.
وكما يشير المزروعي فقد قال حمد العويس الشعر وهو في منتصف حياته، وتأخره هذا كان بسبب انشغاله بالتجارة في الفترة اللاحقة لمرحلة «الطواويش»، وقد يكون هذا التأخر محموداً لأنه أتاح مجالاً لاختمار التجربة، واختزان الخبرة، والاطّلاع على الرصيد الهائل من قصائد الشعراء السابقين، وبالتالي الخروج من هذا التراكم المعرفي بنتائج إيجابية انعكست على طبيعة شعره وفرادة أسلوبه ونقاء معانيه، لذلك نرى احتواء قصائده على الفهم العميق والحكمة والتأمل، وهي عناصر جعلت من أغلب قصائده وخاصة الغزلية منها، ساحة مفتوحة على الخيال الحرّ والفلسفة الجمالية والإنسانية، وكانت لحياة البداوة التي عشقها وعشقته دوراً فاعلاً في تنويع المشاهد الشعرية لديه، وارتباطها بالكرم والجود والأريحية والفطرة الصافية من شوائب المدن وضجيجها.

ديوانان شعريان
صدر للشاعر حمد بن عبدالله العويس ديوانان شعريان من جمع وإعداد وتقديم الشاعر والأديب الراحل حمد بوشهاب، نُشر أولهما في العام 1986م، أما الثاني فنُشر في العام 1988م واحتوى الديوانان على مجموعة كبيرة من قصائده الغزلية، والتي يغلب على معظمها أسلوب (الونّه)، وقامت أكاديمية الشعر في أبوظبي في العام 2017م، بنشر طبعة جديدة للديوانين، وجمعتهما في إصدار مشترك.