نوف الموسى وفاطمة عطفة (دبي، أبوظبي)

في آخر اتصال جمع بين الروائي الراحل عبدالله محمد عيسى الناوري، رائد الأدب البوليسي في الإمارات، والكاتب والأديب عبدالله السبب العام الماضي، أطلعه على أنه يركز في الفترة الحالية (وقت إجراء المكالمة) على إنتاج الشعر، وبذلك يكون هناك مسودات للقصائد، عانقت روح الناوري، الذي رحل أمس، بعد أن ترك الأسئلة مشدودة تجاه حضوره الوحيد عبر روايته «عنق يبحث عن عقد»، إلى جانب مجموعة قصص نُشرت في مجلات وصحف محلية، حيث سعى السبب إلى إعادة نشرها، مؤكداً لـ«الاتحاد» أن الناوري، ظل مغيباً ولفترات طويلة، عن الحراك الثقافي النقدي. وقال إن روايته التي أنتجها في عام 1978، وهو بعمر 19 عاماً، تم نشرها بشكل خاص، قام بعدها اتحاد كتاب وأدباء الإمارات بإعادة نشرها في عام 2013.

  • عبدالله الناوري
    عبدالله الناوري

سؤال جدلي
 وفي اتصاله الأخير طلب منه السبب ورقة يوثق فيها عدم ممانعته من إعادة نشر الرواية للمرة الثالثة في دار نشر محلية، إلا أن ظروف الإجراءات الصحية المتعلقة بـ«كوفيد - 19»، حالت دون ذلك، ما يعيد مجدداً للأذهان الخسارة الأدبية للساحة الثقافية الإماراتية، في إعادة التعريف بأحد أبرز وأهم الكتاب الإماراتيين في فترة السبعينيات، ممن شهدوا تحولات استثنائية، أثرت على المشهد التنموي والثقافي والاجتماعي والإنساني، وألقت بظلالها على إنتاجاتهم الأدبية في الرواية والشعر والقصة.
لماذا رواية وحيدة؟ هو السؤال الأكثر جدلاً حول ما أراده الراحل الكاتب الناوري، الذي استطاع عبر عمله في المجال الشرطي، استحضار حالة النص الروائي، حولها يقول الكاتب والشاعر أحمد العسم: «كنا نغيب عن بعضنا شهوراً، وإذا ما اتصل طالباً مقابلتي، أدركت تماماً أن هناك شيئاً جديداً، يود أن يطلعني عليه، كان يبحث عن مستمع يفرح بكتابته، كنا نناقش أدق التفاصيل في الأدب والثقافة، وأخبرني أن أمنيته هي ألا يتحرك الزمن، حتى لا يفقد الناس الطيبة القادرة على أن تستمع له من قلبه». وفي اعتقاد العسم فإن الراحل كان يكتب شعراً وجمالاً في كل بيت، ونستطيع ملاحظة ذلك من خلال قراءة تلك الحدائق التي تركها الناوري لأصحابها ورحل، جميعها أجزاء تشكلت عبر روحه وجسده.وقراءة رواية «عنق يبحث عن عقد» هي الطريق لاكتشاف تلك الجرأة البديعة التي تحلى بها الروائي الراحل الناوري للإيذان بمسار أدبي خلاق جديد في الإمارات، فالأدب بطبيعته يقدم استشفافاً للبعد الاستثنائي لمخيلة الكاتب، المغمور بالجرائم الغامضة، وطرق سيل التحقيقات الجنائية. التحق بالسلك العسكري بين (1975 ـ 1977)، كاشفاً عن اهتمامه بقراءة روايات الروائية العالمية أجاثا كريستي، باعتبارها مرجعاً أدبياً مهماً في آلية صياغة الحبكة البوليسية. وفي حوارات منشورة وجه الناوري حديثه نحو تأملاته في الذاكرة الانتقائية، عن التفصيلة المشحونة بالدراما، عن تلك الأرضيات والأساسات لإثراء السرد، كان يبحث عن دراسة الظروف الحياتية للشخصيات (الجناة)، وما هو الدافع الدفين لفعل الجريمة، لإدراك البعد النفسي، وتأثير البيئة المحيطة في تشكيل الشخصيات، وذلك لإتاحة فرص أكبر لاستيعابها بأبعادها الإنسانية المتعددة.

  • غلاف رواية عبدالله االناوري الأولى
    غلاف رواية عبدالله االناوري الأولى

خسارة كبيرة
ويقول الروائي علي أبوالريش: «أتمنى أن تكون خسارة الكاتب عبدالله الناوري، آخر الخسارات الفادحة التي يفقدها الوطن وتصبح فجوة واسعة في وجداننا، تجعلنا نحاول أن نرمم خسارتنا في الآخرين. إنها سنة الحياة، ومع ذلك فراق الأحبة صعب، لكن الناوري سيظل حاضراً في أدبه الذي شكل بداية الرواية المحلية».
ويقول الروائي محمد الحبسي: «في بدايات اتحاد دولة الإمارات، ظهرت شخصيات كان حماسها منبثقًا من الروح الوطنية، والروح العربية، والروح الأدبية، وبأقلامهم كانوا يخطّون تاريخًا مساهمًا لتاريخ بلدهم، وبحروفهم كانوا يسلطون الضوء على أدب أرضهم، ومفردات ثقافاتها، ومعالم عاداتها وتقاليدها، ومن بين هؤلاء عبدالله الناوري، الذي خلق في العقد الأول من اتحاد الدولة روايةً أدبيةً»، مضيفاً: «هو صاحب أول رواية بوليسية، هذا الحقل الروائي الذي لا يتطرق إليه كثير من الروائيين، إلا أن الناوري اخترقه باقتدار ليعطي مفهومًا جديداً في الساحة الإماراتية».
ويقول الكاتب سعيد سالم البادي: «الروائي المبدع عبدالله الناوري أحد كتاب جيل الريادة والتأسيس في سبعينيات القرن الماضي، واحد ممن شقوا طريقهم بصعوبة من أجل النجاح في إطار الرواية الواقعية المرتبطة بالتاريخ من منظور فكري واجتماعي وإنساني»، مستدركاً «المبدع لا يموت، فهو يبقى خالدا بميراثه وبأعماله، والناوري ترك الكثير مما يمكن التشبث به لتقديمه للقارئ الجديد».
من جهته، قال الشاعر خالد الظنحاني: «ظل الأديب والروائي الإماراتي الراحل عبدالله الناوري ابن إمارة رأس الخيمة، بعيداً عن الأضواء، وهو الكاتب المتقن لفن الرواية البوليسية، والذي تمتع بجرأة إبداعية في الولوج إلى عالم الجريمة والغموض، من خلال تأليف أول عمل روائي بوليسي في مرحلة السبعينيات «عنق يبحث عن عقد»، وهو في سن التاسعة عشرة من عمره». ويضيف: «خسر المشهد الثقافي، الروائي الناوري باعتباره أحد كتاب جيل الريادة والتأسيس ممن شقوا طريقهم بصعوبة في مجال السرد، وأحد رموز الرواية البوليسية التي بنى تجربته من منطلق عمله كضابط في سلك الشرطة، فضلاً عن تأسيسه جيلاً من الكتاب الإماراتيين في هذا النوع من الكتابة». 
ويقول المخرج المسرحي صالح كرامة: «قد يغيب الموت مبدعاً رائداً ترك أثراً كبيراً في وجداننا ومشاعرنا، ونحن نواجه الفاجعة والفقد بأسى كبير، ولكن هذه مسيرة طويلة تحمل الهم ونحن نئن لهذا الفقد ولا نملك رده، لكن المركبة تسير وهي تحمل كل مرة عزيزاً، إلا أن الإبداع يظل متوقداً.