إبراهيم الملا

«عاينت برّاق شعيل/ علي «اليزيره» ينتحيْ
ع الزّين لي ما له مثيل/ في دارنا ما له وبيْ
مظهور عن يمل الظويل/ يكّه ودانه منتجيْ
الحياي كنّه خطّ مِيلْ/ والخشم سيفٍ ميتليّْ
راسه على متونه ثليل/ على المضامر ملتويّْ»

يعدّ الشاعر خليفة بوعويا الشامسي الملقّب بـ «الخليفي» أحد الركائز الشعرية العالية والمتجذّرة في بادية أم القيوين، والذي شكّل مع الشاعرين عيسى بن شقّوي، ومحمد الرزّي الملقب بـ «شبير»، ثلاثياً متناغماً ومعبّراً بدقّة مع معطيات الحياة في زمنهم الصعب والموسوم بشظف العيش والمعاناة والبحث عن مصادر الرزق في وقت سيطرت عليه ظواهر اجتماعية مقلقة مثل شحّ الموارد وضيق الحال وانقطاع السبل، وكان ذلك في بدايات وأواسط القرن العشرين، حيث خبر الشعراء الثلاثة صنوفاً مرهقة من العوز والحاجة، ورغم ذلك انطلقوا بحثاً عن شغفهم الذاتي من دون كلل أوملل، فاتّسمت حياتهم بالمغامرة والترحال واكتشاف الآفاق وتخطّي حدود المكان والزمان، معتمدين على جوهرهم الإبداعي لصياغة قصائد خلّدت أسماءهم في الذاكرة الشعبية وأبقت حضورهم لامعاً في الساحة الشعرية، فحازوا مكانة رفيعة لم تأتِ من فراغ، بل كان دونها الكثير من التضحيات الجسدية والمكابدات الروحية، والكثير أيضاً من الانتباه لصوتهم الشعري الخاص، المتمتّع بقوّة السبك، وجزالة التعبير، وعمق المعنى، ووفرة اللغة واتساعها.
في القصيدة أعلاه التي وثّقها المطرب الشعبي الكبير: «علي بالروغة» بعنوان: (يا «بومييد» أثنيت جيل) نستشفّ قدرة شاعرنا «الخليفي» على تأسيس موضوعه الشعري انطلاقاً من وعي مسبق بالقيمة الجمالية المختزنة في مسارب القصيدة الغنائية، وما يمكن أن تمنحه هذه القصيدة بالذات من إيقاعات حسيّة تكاد أن تلمسها اليد، وأن يعاينها النظر، قاومت القصيدة أعلاه النسيان، وعطلّت انجراف الذاكرة نحو السهو والغفلة والانقطاع، فظلّ صداها متحركاً في أفق الأغنية الشعبية بالإمارات، وملوّحة بقصائد كثيرة للخليفي عانت من الإهمال والغياب حتى ضاع أغلبها، بينما تبقى القليل منها كعلامات دالة على الموهبة والحنكة والجدارة الشعرية للخليفي، رغم كل الظروف المعاكسة التي جابهتها هذه القصائد، وجابهها الخليفي نفسه خلال تجربته الحياتية الحافلة.
يبدأ شاعرنا قصيدته بتشبيه بليغ يربط من خلاله بين طلّة المحبوب، وبين البرق الذي يكاد من فرط توهّجه أن يشتعل، ذاكراً الموقع الذي شكّل له عنصر المفاجأة، وهو موقع «اليزيرة» أي «الجزيرة الحمراء» برأس الخيمة، والتي تسمى أيضاً جزيرة «زعاب»، وبعد أن يهدأ تأثير المفاجأة والرؤية المباغتة، يشرع الخليفي في وصف مزايا وخصال المحبوب، فهو نسيج وحده، ولا شبيه ولا مثيل له في الحسن والجمال، وفرادته المحتشدة هذه تقارب فرادة «اليكّة والدانة» كأغلى أنواع اللؤلؤ وأكثرها جودة وقيمة وجاذبية، ويبدع الخليفي في سرد الصفات الظاهرة على المحبوب، والتي يكتمل بها جمال الداخل، ونقاء الجوهر، فهو يتمتع بحواجب دقيقة كأنها مرسومة «الحياي كنّه خطّ ميل» والأنف بامتداده وشموخه كأنه السيف البارز «والخشم سيفٍ ميتليّ»، بينما الشعر الكثيف والوارف منسدل على المتون، ومن فرط طوله التوى على الخصر والأجناب، (راسه على متونه ثليل/ على المضامر ملتوي)، ويأتي استخدام الشاعر لكلمة «ثليل» كتأكيد على علوّ كعبه في الوصف، لأنها كلمة حافلة بدلالاتها وصورها الذهنية، والموظّفة لإيصال المعنى بشكل مكثف ودقيق، لأن مفردة ثليل تعني الكثير والعظيم، وما سميت شجرة «الأثل» بذلك إلا لعظمها وكثرة أوراقها.

ويكمل الشاعر قصيدته المدهشة هذه قائلاً:
«وبالحلّ له عودٍ يميل/ ما ياك بشعٍ ولا خليّ
ولي ثار من عقب المجيل/ يشبه على لون الظبي
ولي ثار في ظَلْمٍ وليل/ يشعّ نوره ويعشي
تقول بجلي فوق غيل/ يسفر المخزن والحوي
وآزمت من شوفه عطيل/ لا طيج حسّ ولا مشي
ومن الشفاقة ع الخليل/ يهل دمعي والبكي»

لعبة التخييل
يشير استرسال الخليفي في الوصف إلى استمتاعه بلعبة التخييل، واستجلاب الصور الشعرية من أكثر أماكنها غوراً وصعوبة، لذلك فليس من المستغرب أن يلامس بقامته الإبداعية الكثير من القامات الشعرية بالإمارات أمثال مبارك العقيلي وراشد الخضر ومحمد الكوس والهاملي وبوسنيده وغيرهم، فهو صاحب وعي نافذ وفكر ثاقب ولغة خصبة وخيال هادر، وهي عناصر مترجمة وواضحة في قصيدته أعلاه، والتي تمثّل أنموذجاً لمعمار شعري تغلب عليه الزخرفة المشهدية والتشكيل البصري.
تعكس القصيدة أعلاه أيضاً تأثير مكوّنات البادية على جمله الوصفية، كما تشير إلى تواصله مع أهل الساحل واطلاعه على مفردات البيئة البحرية وبيوتاتها وتفاصيلها الاجتماعية، ففي البيت الذي يقول فيه (ولي ثار من عقب المجيل/ يشبه على لون الظبي) نرى ظلال القصيدة الشعرية الشهيرة لصديقه شاعر البادية عيسى بن شقّوي التي يرد فيها البيت التالي: «يا شبه ريمٍ عقب لمجيل/ ذاير وقَبْضْ اللّيد با محال»، فهذا التقاطع المشهدي بين البيتين يدلّ على مشاركة الشاعرين للمناخات الصحراوية بحيويتها واندفاعها وغلبة النسق اللوني والتشكيلي عليها.
بينما نرى في البيتين اللذين يقول فيهما الخليفي: «ولي ثار في ظَلْمٍ وليل/ يشعّ نوره ويعشي» -- «تقول بجلي فوق غيل/ يسفر المخزن والحوي» أن هناك مقاربة واضحة مع بيئة المدينة وما تتفرد به مقارنة ببيئة أهل الصحراء، وتتمثل هذه المقاربة في كلمات مثل «بجلي» أي المصباح الذي يعمل بالبطاريات أو الكهرباء، و«الحوي» و«المخزن»، وهي مسميات معروفة لسكان بيوت السعف والمنازل الطينية والحجرية في الحواضر الساحلية.

ابن البادية
ولد الشاعر خليفة بن جمعة بوعويا الشامسي «الخليفي» في عام 1898م، ببادية أم القيوين، ويذكر بعض الرواة أنه ولد بمنطقة (الحمرية) القريبة من أم القيوين، وعاش فقيراً طوال حياته لأنه كما يبدو من سيرته الذاتية لم يطق العمل في مهن ثابتة مثل (مكدّة الإبل) أو الغوص، واختار أن يكون حرّاً ومستقلاً ومتخلّصاً من الأعباء المعيقة لانطلاقة روحه الشعرية الجامحة، حيث يرد في سيرته الواردة على ألسنة الرواة والتي جمعها الباحث الدكتور راشد أحمد المزروعي في الجزء الثالث من كتابه: «أعلام الشعر الشعبي في دولة الإمارات» أن الخليفي كان فقيراً ومعدماً لا يكاد يجد قوت يومه، ولا يوجد لديه مورد رزق أو دخل، وعاش متنقلاً بين المناطق الصحراوية والساحلية، معتمداً على فصاحة لسانه في قول الشعر الجزيل المكتمل بالثناء والغزل الجميل، الذي يسلب القلوب بعذوبته، ما جعل الناس تحبّ شعره وتستمع إليه وهو يلقيه، فيكرمونه بما كتب الله له.
ويشير الرواة إلى أنه رغم فقره كان لطيفاً وحميماً وطيّب المعشر، يهوى الألفة والرفقة ومعرفة الناس، ولم يمتلك منزلاً في حياته، وكان دائم الترحال راجلاً أو راكباً على ناقة أو جمل إن توفّرا عنده، وعندما يصل إلى حيّ في منطقة معينة، يمرّح جمله بجانب منازلهم، ويبقى معهم حسب ما يشاء، يوماً أو أسبوعاً أو شهراً، يأكل من طعامهم، ويؤنسهم بإلقاء الشعر، ثم ينتقل إلى منطقة أخرى وأناس آخرين، وهكذا، كما كان في مواسم الحضّارة والمقيظ، يرافق القوافل راجلاً أو راكباً إلى مقاصدهم في واحات المقيظ، فيسلّيهم بشعره، حتى يصلوا لتلك المناطق، فيسكن في عشّة بجانبهم، إلى أن يقرّر الانتقال إلى مناطق أخرى جديدة، أو العودة مع قافلة أخرى.
ويذكر أن الشاعر الخليفي كان قد شارك في أواخر حياته ببرنامج (شعراء القبائل) بتلفزيون دبي، والذي بدأ في أوائل السبعينيات من القرن الماضي، وكان يقدمه الشاعر الراحل حمد بوشهاب، ويشارك به شعراء النبط الكبار في تلك الفترة مثل الجمري والدهماني والكوس وبن صنقور والهاملي وبن رحمة، وكثيرون غيرهم. وعندما مرض الشاعر الخليفي انقطع عن المشاركة بالبرنامج، حتى توفيّ - رحمه الله - في العام 1978م بمنطقة (الغابّة) المقابلة من جهة البرّ للجزيرة الحمراء في رأس الخيمة.

القصيد المثلوث 
يصف الباحث الدكتور راشد المزروعي الشاعر خليفة بوعويا الشامسي (الخليفي) بأنه تحدّى بشعره الشعراء الكبار في الإمارات، وأن له مئات القصائد التي لم تحفظ، فذهبت هباءً، إذ لم يدوّن شعره أحد، برغم كونه شاعراً قلّ أن تجود الإمارات بمثله، ووصف المزروعي أسلوب الخليفي الشعري بأنه قوي السبك، واشتهر بالقصيد المثلوث والمربوع والمخموس وبعض القصيد الذي توجد به أكثر من قافية ويكاد هذا النوع من الشعر يغطّي مجمل قصيده، مضيفاً أنه يغلب على هذا النوع من الشعر فن أو لحن «الونّة»، الذي أبدع فيه، كذلك كان الخليفي من كبار شعراء التغاريد، أما شعر المشاكاة، فكان ذلك هوايته، وكان يشاكي جميع الشعراء الذين يعرفهم والذين لا يعرفهم، كما إنه تحدّى الشعراء الآخرين في القوافي الصعبة، كما كان يختار عبارات وصيغاً عجيبة ومدهشة في أغلب الأحيان.