كتابة وتصوير: لولوة المنصوري

يتحول الباب كما تتحول الأشياء في الكون، يتحول الباب في الأبعاد الميتافيزيقية من نقطة مكررة، أو زخرف مكرر إلى صمت وفراغ كبير، يتخلى عن وفرة الزخارف، وتتمركز بداخله نقطة محورية واحدة تعوم في مدلولها لأكثر من فضاء سيميائي واحد.
يتحول الباب وفق المزاج الشعبي المتأثر بالتغيرات الكبرى، يتحول من حجر كبير على باب الكهف إلى احتشاد زخرفي يضاهي حركة الانتشار التي خلّفها الانفجار العظيم في الكون، ثم يتحول إلى موتيفات هندسية غرافيكية منتظمة داخل صفحة فخمة مكتنزة بالترصيع والتعشيق المنسجم، ثم إلى حفر دقيق في الخشب الطبيعي، وصولاً إلى الوحدة البنيوية الواحدة المتوازية مع وحدة الوجود، إلى تلك البساطة الخلاقة والأبواب الرهيفة واللون الواحد اليتيم الذي يملك رمزاً تجريدياً محبوباً على الروح وعصياً على الوصف والتحليل.
ولكن ماذا عن بابنا الشعبيّ في الثمانينيات؟ ألا يستحق منا انتباهة جديرة بالتأمل؟

لغـوياً.. كلمة (باب) تستثير الشجن إلى معنى الباب الأول الذي دخلنا منه جميعاً عبر هذا الكون، ليس الباب في الأصل من الحجر أو السعف أو الخشب، ولكنه من (الرّوح)، وكما في أفكار الصوفية: (باب لمظهر إلهي، يدخل الكون عن طريقه). 
لماذا الأبواب؟ 
لأنها المدخل الحميمي إلى روح الأرض القابعة خلفها، عتبة المؤانسة القاطنة خلف سنوات الحنين وظلال نخلة البيت، وأصوات غابت عن المكان تاركة وراءها نفحة الأمهات العتيقات وصيحات الطفولة واللعب المراوغ لخلايا البيت، لأنها الحدود الأخيرة للخلاص من الخارج والذود بالدّاخل، لأنها الشوق الأول للجوء إلى محراب الذات، الوجه الآمن الذي ينتظرنا دائماً ليحتضن عودتنا من الشتات.. من البقاع البعيدة.

ولأن الأبواب تأخذ مع الزمن مدلولاً أمومياً، كلما شاخت ازدادت رقة وحنوّاً ولهفة على طارقيها، هي الحاضن الأول للوصول والشاهد الأول على دمعة العودة قبل أن يصل النداء إلى الداخل. وأكثرها أمومة ما كان منها صامداً في الوحشة ومغلقاً منذ زمن بعيد جداً، حيث لم يعد أصحابه يمشون في البيت.. ولا على وجه هذه الأرض، وما عادوا يطرقون أبواب العالم.
لهذا، نحن نبحث دائماً في أعماق الأبواب القديمة، وليس كبحثنا في الشبابيك أو الجدران.

ثم لماذا أبواب الثمانينيات؟ 
لأنها الأبواب التي صُدمت بالمعاصرة، وتقبّلت الأمثولات الجديدة التي فرضتها الحداثة على المجتمع، ولأنها التي ودّعت عنصرها الخشبي العامر برائحة الحقول والمزارع والغابات، واحتوت الاندماج المفاجئ بالحديد والنحاس، ذاهبة إلى التبسيط المتناهي في الزخرفة والتشجير وتعزيز فكرة الفراغ والصمت الموحي ببدء مرحلة الاستقلال الأسري عن بيت ما قبل الخمسينيات، الذي كان ممتداً بسلالة متجذرة العروق، وبشجرة كبيرة لعائلة واحدة. 
الباب روح، وباب الثمانينيات في الإمارات يستمد جوهره من القيم الروحية، وطبائع المكان الجغرافي والسوسيولوجي والتاريخي، ذو قيم شكلية ووحدات أسلوبية متشابهة وبالأخص أبواب البيوت الشعبية الموزعة من الحكومة، نجد لها وظيفة احتفائية جمالية متفردة ومشتركة في الآن نفسه، باب حديديّ استجاب لجمالية فكرة الاتحاد، مهيأ للحداثة المنفتحة على هندسات الوجود المعماري في الحياة، وفي المقابل هو باب يحفظ حقوقه وهويته ومفردته الرمزية، فقد نجد تلك الأبواب التي تحمل شعار الدولة وعلمها أو أنصاف سعفيات النخيل ومدلولات الضيافة والكرم ومرموزاتها التراثية المعبّر عنها برصانة لونية، كعلامة بارزة لهوية الاتحاد والتلاحم الشعبي في الوطن. 

ثم تأتي أبواب أخرى لتحكي عبر عتبتها قصة التلاقي مع أبواب شعوب الأرض، وبالأخص الأيقونات النباتية والطيور التي تنمو في جهة ما من غابات الهند العظيمة، فنجد بتلات زهرة اللوتس على شكل موتيفات تجريدية متناظرة، أو بعض الدلالات الفلكية الإسلامية، مثل الهلال والنجوم أو الدورة القمرية وحافة قرص الشمس الدوّار المنبثق عنه دوائر صغيرة متناظرة ومتوازية. وقد تكرر ذلك التأثر بالفلسفة الشعبية الصينية عبر رموز لا مباشرة من خلال التشكيل الملخص في (التناغم)، تناغم واتحاد ورقتين متشابهتين وسط فراغ هائل، أو رموز متضادة في لونها واتجاهها، لكنها متشابهة في شكلها، كدلالة موحية بـ (القطبية) فكل الأشياء المتضادة تعطي حياة/ والتشابه وعدمه هو الشيء نفسه/ ثم إن كل الحقائق ما هي إلا أنصاف حقائق، وقد يمكن التوفيق بين كل المتناقضات، كمبدأ أصيل في التوازن ما بين الين واليانغ.
كذلك نجد على الأبواب الأشكال الهندسية المتداخلة بتبسيط متناهٍ ومكرر، مثل الدوائر التي تحوي في أرحامها المربعات ويعلوها قوس مقطعي. تكرار الوحدة الواحدة والفراغ والتوريق والتسطير هي الثيمة البارزة في أبواب الثمانينيات، كما برز التأثر بالطابع البيئي اليمنيّ عبر تنميط جمالي لرسم أوراق العنب ذات الثلاثة فصوص، وعناقيد العنب المتعانقة في انحناءات وحلزونات تتخذ شكل كؤوس مكررة.

وقد يُصبُّ بالحديد وفق هيئة تشكيلية اسم صاحب البيت بالكامل على الحاجب العلوي للباب، ونادراً ما تحتشد الزخارف والأشكال الهندسية التي تأخذ طابع المعمار الإسلامي، إلا في أبواب المساجد والأبواب الرسمية، حيث يتم فيها تعزيز فكرة الامتلاء الداخليّ المكتفي بنفسه، فيبرز الباب الصوفيّ الكبير المزخرف بموتيف (النجمية)، أو الأطباق النجمية المشغولة بدقة عالية وبتداخلات لا متناهية من الخطوط المستقيمة وحشوات الذرات الداخلية في ضلع كل نجمة تلتقي بصفتها المستقلة بنجوم لا متناهية أخرى. 
الباب هوية الأجساد الساكنة والمتحركة في البيت، الأجساد الوامضة بطقس العيش والتكافل، يتكيّف الباب مع الحالة السلوكية لأجساد العائلة التي قد تشبه في انسجامها وتنافرها الباب نفسه، يؤثر الباب في حركتنا الروحية والنفسية داخل البيت، كما أننا نؤثّر فيه حين نختار له علامات أسلوبية تعكس إيقاعنا الداخليّ، فليس اعتباطاً هو اختيارنا لشكل الأبواب، بل هو شأن روحيّ غيبيّ موصول بالخليقة. الباب معبأ بدلالاتنا ودرجات انسجامنا مع الزائرين والعابرين، فإن أحببناهم اخترنا باباً احتفالياً بالحياة، وإن كرهنا وصالهم، ثبّتنا على العتبة باباً فجّاً قاتماً، لا يكاد يتجاوز هيئته المادية الخاوية من الرّوح.