إسماعيل غزالي

«المعنـى» وأشكالُ البحث عنهُ أو محاولةُ خَلقِه وصُنعِه بالأحرى، مسألة وجودية خالصة قبل أن تكون جمالية. ليس بالفنّ وحده نسعى وراء سديم هذا المعنى في صحراء الوجود. وإنّما أيضاً بطُرُق أخرى، متعدّدة، لها علاقة بأساليب الحياة وأنماط العيش. 
من ناحية أولى، ثمّة قلقٌ أبدي يصاحب الذات المؤرقة بأسئلة الكينونة المريبة. غموض الكون المدهش بلا حدود. لغز أو متاهة العالم المرعبة.
ومن جهة ثانية، هذا القلق الدائم -بالنسبة للكاتب- إنّما يتقصّى السُّبل لغرابة الواقع بحثاً عن حقيقةٍ أو نسقٍ يقف وراء تعقيدات الأشياء ولُغزيّتها المُفرطة.
وهذا يوجـب التّساؤل بداية، عما يكونه المعنى؟ هل هو كامنٌ في أشيائنا على نحو مضمر يستلزم الحفر عنه وكشفه؟ هل هو ما نُسبغه على العالم لتكون لذواتنا وحياتنا جدوى أو قيمة؟ هل هو ما نستدعيه بأن نخلُقه ونبتكرَه فيتماهى مع أسلوب عيشنا وإبداعنا؟ أم هو يعيش فينا ومعنا ولا يعدو عملنا أن يكون سوى الانتباه إليه ومصاحبتُه باستمرار؟ هل هو نمط وجود نمارسه في حياتنا اليومية بوعي أو من دونه، أم هو نمط تخييليٌّ لابد منه لشرط إنسانيتنا؟
كيفما كان المعنى، يعني كل شيء، ولاشيء في آن! ومهما يبدو لنا معنًى في طور سابق، قد يتحوّل إلى لامعنى في طور لاحق!
وهكذا، يفضي بنا موجز هذا التساؤل إلى آخر هو: كيف يكون لحياتك معنى إذن؟ 
قد يبدو سؤالاً تجارياً ومبتذلاً من فرط استعماله من لدن بعض مؤسسات الطب النفسي وملحقاته، وبالأحرى من لدن مؤسسات تجار الكآبة التي يعتاش بعض موظفيها على مستنقع الأمراض الاجتماعية الكاسحة، ومنها حالات البطالة المزمنة ومضاعفاتها السيكولوجية الحادة والرمادية... إلخ.
إجمالاً، أن تكون الحياة غير ممكنة من دون معنى، يجعل هذا الأخير ضرورة وجودية وجمالية في آنٍ، يستحيل أن تحقق مغامرة العيش دون الارتهان إلى فلسفتها وعمقها.
وحكايتي مع المعنى، أو البحث عنه أظنها بدأت قبل اكتشاف لعبة الكتابة. شأن كل كائن بشري تساءل منذ أن تعلّم اللغة في طفولته ويفاعته عن سرّ الوجود والخلق، وعلى نحو مفرد تساءل عن حياته الخاصة باستقلال عن الآخرين، وما يجب عليها أن تكونه حتى تغدو لها القيمة المنشودة والتناغم المفقود والأسلوب المرغوب، وتصير ذات إيقاع مختلف... إلخ.
وبعد أن جرّب التفكير بحماس وضراوة وعلى نحو متكرّر في غرابة وجوده المريب، مفخّخاً بأسئلة مزمنة، من قبيل: لماذا ولدتُ في المغرب، في شمال إفريقيا بالذات، وليس في ألمانيا أو الأرجنتين أو اليابان؟ لماذا ولدت ذكراً بالضرورة وليس أنثى؟ لماذا ولدت في سنة 1977 في القرن 20؟ وليس في سنة سابقة أو لاحقة، في قرن سالف أو قرن سيأتي؟ لماذا ولدت إنساناً وليس ذئباً أو نمراً أو غراباً؟ لماذا ولدت أمازيغياً عربياً مسلماً وليس مسيحياً أو بوذياً أو هندياً أحمر، بل بدائياً أمازونياً؟ لماذا ولدت بهذه البشرة وليس بتلك، ولماذا أحمل هذا الاسم وليس ذاك... إلخ.. وحيث تحتدّ بروق الأسئلة ويغيب مطر اليقين والمطلق. سيتضاعف القلق! 

أسئلة وجودية
أسئلة قد تبدو ساذجة، ولكنها وجودية اعترتْ كل واحد منا، لا تحصى ولا تعدّ، ما من جواب لها، ستتشعّبُ وتتغوّرُ أو تتغوّلُ لحظةَ اكتشاف القراءة. قراءةُ الأدبِ على نحو خاص. وتلا ذلك الاكتشاف المدهش، العظيم الذي هو الكتابة.
ومع التقدم في ممارسة لعبة الكتابة واكتشاف سحريتها وعمقها وخطورتها، غدت، أي الكتابة، كل شيء. ليس لأن الحياة دون معنى إن انتفتْ الكتابة، بل لأنّني ربما كنت سأتحوّل على الأرجح إلى شيء بشع وفادح خارجها: مشروع شخص سيئ مثلاً. أو مشروع مجنون! نعم المسألة تتخطّى كوجيتو أنا أكتب إذن أنا موجود. إلى: الكتابة هي أجمل ما يوجد، وبها أكون أنا، أنا، لا غير.
وهكذا، غدا سؤال لماذا أكتب؟ هو بصورة من الصور ما معنى أن أكتب؟ وما معنى أن أكتب هو بحث أيضاً عن: ما معنى أن أكون؟

أسباب ملتبسة
كيفما كانت الأسباب التي تقف وراء الكتابة، فهي غامضة وضبابية وملتبسة. ليس هناك من سبيل أو طريقة للجواب عن هذا السؤال: ما معنى أن أكتب؟ هو ما تحاول الكتابة نفسها أن تبحث فيه وعنه، دون أن تخلص إلى يقين ووضوح. هذا لأن معنى الكتابة ذاته يبطل ويفسد عند الوصول إلى تفسير أو إلى حقيقة تقف خلف ذلك. لأن معنى الكتابة ملازم لمعنى الوجود، وكلاهما يتمنّع على القبض في صورة ثابتة ومستقرّة.
وللاقتراب من حقيقة المعنى، أظنّ أنّ على المرء أن يعرف ما هو نقيضه، وهو اللامعنى؟ اللامعنى هل هو الشيء الفارغ؟ العدم؟ اللاوجود؟ أم هو ما يفتقر إلى دلالة. ما ينحطّ عن قيمة ما. طبعاً ثمّة سلطة أخلاقية تتحكّم في إنتاج المعاني، وتحصين دائرة قداستها، ضمن نسق، أو منظومة. وهنا يكون الخروج عن هذا النسق، عن هذه المنظومة، خروجاً عن منطق معناها. وهذا يعني أن كل خروج عن العادة في نظر هذه السلطة أمر موصوم باللامعنى. يستوجب الإدانة والإقصاء والتهميش.
اللامعنى هنا يصير معنى معكوساً أجدر عند الأقلية الخارجة عن هذا النسق. وفي المسألة ما يجعل من اللامعنى معنًى مضاعفاً بل جذريّاً. وهذا يذكّرني بمقولة فلوبير: كل ما ليس له معنى له معنى متفوّق على ما له معنى! الكاتب بالضرورة يمثل هذه الأقلية. إنه نقيض الاختزالية، بل كابوسها المزعج على الدوام، الاختزالية هذه الآلة اللئيمة والبشعة التي لا عمل لها سوى احتواء أفق المعنى وإفراغه من جماليته وإنسانيته.

الواقع والتخييل
وأفدح اللامعنى في رؤية هذه الأقلية، فهي موجز الوحشية التي يصخب بها تاريخنا الإنساني، ونعاودُ تكرارها بأفظع ما يكون، مهما بدتْ ملطّفة بشعارات الحضارة الزائفة، وهو ما تفضحه الحروب المعاصرة الأشد وحشية باسم هذه الذّريعة وتلك، دينية وعرقية كانت أو غير ذلك، فيما مبدأ القوة والمصلحة هو ديدن شرّها. ويسقط المعنى حينما يكرّر التاريخ جرائمه الإنسانية الكبرى، ولا يغدو أمام المرء سوى أن يأخذ العالم على محمل عبث وكابوس أو مزحة سوداء. 
لكلّ قرن معناه التراجيدي، وقدر هذا القرن تنزاح به سحرية التقنية الشّعواء، الرّقمية الخارقة. تقنية رقمية قد تغدو انفلاتاتها أخطر من التهديد الكلاسيكي المتعلّق بقيامة السلاح النووي وكوارث تقلّب المناخ.
الدّرس الأوّل الذي تلهمنا به الكتابة، والقراءة معاً. الأدب والفن عموماً. هو أن العلاقة بالعالم لا يمكن أن تكون ذات معنى إلا إن كانت تخييلية. فقصّة العالم نفسُه أقربُ إلى التّخييل أكثر منها إلى الواقعية. وحتى عندما نتفكّر في الكون علميّاً تظل المسألة تخييلية، ولا أدلّ على ذلك من قصة الانفجار العظيم التي يفسّر بها الفيزيائيون نشوء العالم. يا لها من حكاية فانتازية عظيمة كيفما حاولت الرياضيات تشكيلها في خطاطات وبيانات ومعادلات وعمليات أرقام على نحو حسابي ومنطقي.
وغير الفيزياء والرياضيات ومجمل العلوم، كذلك الفلسفة والدين وكل المعتقدات الشعبية في أصقاع المعمورة عبر التاريخ... فسّرتْ الأمر، ونظرتْ إليه على سبيل التخييل أيضاً.

الوجود.. داخل اللغة!
يبقى خيط التفكير في المعنى الكلي (الوجود) تخييلياً، حكائياً، يمتدّ سديمياً إلى المعنى المفرد، الذاتي، المعنى الجزئي، (المعنى الإنساني). كلاهما خيط مزدوج، مفتول من الحيرة والقلق والغموض والغرابة والسؤال! وزدْ على ذلك معضلة أن نكون محض كائنات داخل اللغة، وهذا الوجود المرعب داخل اللغة لا يمكن أن يتحقّق مع الواقع والعالم إلا تخييلاً. 
وبالتخييل نتلافى فخّ وزيف البداهات الشّائعة التي يراكمها خط الحياة اليومية. وبه نتخطى حدود هذا اليومي الضيق، اليومي المطمئن إلى الأشياء الجاهزة، نتسلّل فيما وراء هذه الحدود إلى مناطق الحلم والغياب والارتياب. هذا اليومي الذي أريد له أن يكون خطّياً وأفقيّاً يعاني أعطاب ميتافيزيقا المسلّمات واليقين والثابت. بالتخييل نكسر أحادية العيش، ونفتح جلد الحياة على التعدّد والاختلاف، نفتح رئتها على هواء اللامألوف والمفقود واللامفكر فيه. وبالتخييل نزج بالواقع النهائي داخل مجازفة اللانهائي. بالتخييل نيمّم ناصية الانتباه شطر الغموض الذي يكتسح الواقع العادي، فيجعل منه فانتازيا مضاعفة، حيث الفانتازيا تغدو واقعاً مضاعفاً. بالتخييل نحفر في طبقات النسيان كي نعيد كنوز اللامرئي إلى وجوده المدهش. بالتخييل نركض وراء المعنى في كل كتابة، رواية كانت أو قصة قصيرة، نتوهم القبض عليه إلى حين. ثم نواصل الرّكض وراءه كرّة أخرى في كتابة لاحقة بعد أن يتأكد لنا أمر ما قبضنا عليه سابقاً محض سديم.
وهكذا دواليك نلاحق المعنى في كل مغامرة جديدة، كما لم نلاحقه من قبل. فيما يشبه لعبة، لعبة الكتابة القائمة على تخييل هذا المعنى بالذات، وهو تخييل متعدّد، متشعّب، متحوّل، متغيّر، منزاح، منفلت، هلامي، حربائي ومتجدّد على نحو دائم. تخييل يتماهى مع تحوّلات ومآلات المعنى نفسه.
حسْبُ المعنى أن يكون هارباً حتّى يكون للعبة تخييلهِ ضِمْن منحى الكتابة غواية وخطورة وافتتاناً وقيمة ومتعة. 
وحسْبُ الكتابة أن تكون محض لعبة لكي يتحقّق معناها. لكي تتحقّق فتنة مغامرتها وسحريتها ومباهجها القائمة على شقاءٍ عتيدٍ. 
وحسْبُ التخييل أن يكون لامألوفاً وغريباً ولا معتاداً لكي يكون للكتابة معنى أوّلاً، ثم يكون للمعنى نفسه احتمال وجود وقيمة وأثر... 
الأمر كلّه محض لعبة... بلى، تلكم هي لعبة تخييل المعنـى.