محمد نور الدين أفاية

لماذا لم يهتم المثقفون العرب بأفريقيا إلا بشكل هامشي أو تحت ضغط ظرفيات جيواستراتيجية عابرة؟ ما هي الأسباب العميقة التي جعلت نخب أفريقيا الشمالية، بالخصوص، لا تولي الأهمية المناسبة لجنوب القارة التي تنتمي إليها؟
سؤالان إشكاليان يستحق كل واحد منهما، على حدة، دراسات ومقالات لفهم الإغفال العربي لقارة خصصت لها بلدان غربية وآسيوية مراكز بحث وعلماء في كل الحقول والتخصصات، بل وتتسابق بلدان صاعدة على الانفتاح على العوالم الأفريقية والتموقع داخلها على صعد عدة، وذلك من خلال اتباع سياسات ناعمة، أو غير ناعمة، بهدف الوجود في حاضرها والتأثير على مستقبل بلدانها.
وقد انتبهت أقطار عربية، في الماضي القريب، إلى المكانة الخاصة التي تكتسيها القارة الأفريقية، إما اعتماداً على سياسات اتخذت غطاء دعَوياً، كما كان حال سياسة معمر القذافي بواسطة «جمعية الدعوة الإسلامية»، أو من خلال دعم حركات التحرر، كما عملت الجزائر في فترة دورها التحرري.
وكانت مصر تحديداً هي البلد العربي الذي أولى أهمية خاصة للقارة الأفريقية، ليس فقط على صعيد السياسة والاقتصاد، أو إسناد حركات التحرر فيها، وإنما أيضاً بإنشاء مركز أبحاث خاص بالقارة. ولعل مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية مثَّل مرجعاً في الستينيات والسبعينيات -ولا يزال- بدرجات متفاوتة، لِما يتعين على بلد مثل مصر القيام به لتتبع تحولات الاقتصادات والمجتمعات والسياسات الأفريقية بتناقضاتها ومفارقاتها، إذ لهذا البلد تجذر تاريخي وثقافي عميق في أفريقيا، وهاجس استراتيجي كبير دائم يتمثل في ارتباطه الطبيعي والعضوي بمياه النيل، كما هو شأن السودان كذلك.

فهم أفريقيا
ولكن كيف يمكن فهم أفريقيا فهماً موضوعياً يتناسب مع تنوع واقع البلدان الأفريقية نفسها والتطورات المتباينة التي تشهدها مجتمعات هذه القارة؟ وما هي النظرة التي ينبغي أن نحملها عنها في القرن الحادي والعشرين؟ كيف يمكن مُقاربة فضاءاتها الشاسعة، التي تضم فسيفساء لغوية وسياسية واجتماعية وإثنية وثقافية شديدة التنوع، وتشهد بلدانها ديناميات جديدة في عالم بات أكثر انفتاحاً وأكثر عولمة، بل وعُرضة لاستراتيجيات وطنية ودولية مُتباينة؟ هل نشهد على انبثاق وَعْي أفريقي جديد يُمْكِنُ نعته بـ«وعي ما بعد الاستعمار» كما يقول البعض؟ وإلى أي حدٍّ يجوز الحديث عن ذاتية أفريقية تُعبئ الإرادات الداخلية من أجل إعادة بناء القارة والنهوض بتنميتها ارتكازاً على أسس جديدة؟ 

صعوبات إبستمولوجية
يجد الباحثون والخبراء والمحللون أنفسهم إزاء صعوبات إبستمولوجية حقيقية وهم يحاولون بسْط وتوضيح تشخيصاتهم لواقع الأفكار والمجتمعات الأفريقية. لقد تعرضت القارة، ولا تزال، للاستغلال بكل أشكاله بما فيه الفكري، ولهذا السبب أيضاً يكتسي دور المفكرين والباحثين والمثقفين الأفارقة أهمية كبرى في فهم الواقع القائم والإحاطة بتصورات الأفارقة الخاصة لمستقبل قارتهم.
وفي هذا السياق، ينكبُّ العديد من الأعمال الفكرية على إعادة تقييم الإنتاج العلمي والفكري الذي تناول أفريقيا كموضوع للبحث والتفكير، وهو إنتاج اهتمَّ بفترة ما قبل الاستعمار، ومرحلة الاستقلال، ويهمُّ وضعيات ما بعد الاستعمار، كما يشمل إعادة النظر في أنماط البحث التي تناولت مسلسل «التحديث» ورهانات التنمية.
وأمام الطابع المُركَّب للواقع بمختلف تلاوينه، ونظراً لتعقُّد الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية في إفريقيا، يجد المثقف الأفريقي نفسه مُجبراً على خوض معركته على جبهات عدة: بدءاً بالتساؤل عن هويته كمنتج للأفكار وللمفاهيم أو مُستعمل لها، وعن وظيفته ووضعه الاجتماعي، وهو مطالب بتصفية حساباته مع أنماط التفكير الموروثة عن الفترة الاستعمارية، وبمساءلة ثقل التاريخ والعادات المحلية والوطنية.

دور المثقفين
ولذلك كثيراً ما ينتفض الحديث، وبكيفية لا تخلو من جدل، عن دور المثقفين والنخبة في المجتمعات الأفريقية، والحال أن هناك نقصاً حاداً في الدراسات حول وضع هذه الفئة وإسهامها في تنمية القارة، عِلماً بأنه لا يمكن حصر هذه الفئة فقط في الجامعيين والكُتاب والخبراء والمفكرين في مختلف حقول إنتاج المعرفة، إذ ليس من الإنصاف التحدث عن «المثقفين» مع إقصاء الفئات الأخرى من الفاعلين كالصحفيين والفنانين ومنتجي الثقافة بوجه عام.

أسطورة المثقف
لقد حاول البعض اقتراح نوع من «التصنيف» لصورة المثقف في إفريقيا. بل نجد من يعتبر أنه توجد أربعة أوجه أو صور لهذا الفاعل ذي الوضع الخاص: الصورة الأولى للمثقف الأفريقي هي صورة الشخص ذي البُعد العالمي، أي ذلك المثقف الذي يتحرر من أي إثنية أو طبقة، أو أمة. والصورة الثانية هي صورة مستخدم الدولة الذي يغادر هذا الوضع بمجرد كسبه للمال. أما الصورة الثالثة للمثقف، فهي صورة ذلك الذي يشغل أكثر من مهمة حيث يترحل ما بين رجل سياسة بالأمس، إلى صحفي بعد ذلك، أو حتى مغنٍّ، وقد نعثر أيضاً على من يتخذ مساراً معاكساً، أي أن يبدأ مغنياً، أو رياضياً لينتهي زعيماً سياسياً. والصورة الرابعة هي المتمثلة في من يعيد إنتاج الأسطورة الأبدية للمثقف المتشبث بالتقاليد والداعي لها، أو الحكيم الإفريقي بامتياز. 
ومن المؤكد أن الظروف العامة التي أمْلت مثل هذا التصنيف لصور المثقف الأفريقي قد تغيرت اليوم. ومن هنا الحاجة إلى مراكز بحث عربية أكاديمية قائمة الذات، مُنتظمة في بحوثها واهتماماتها بأفريقيا؛ لأنه بالإضافة إلى فهم ومواكبة تحولات المجتمعات الإفريقية يتعين أيضاً الانتباه إلى أنه خلال العقود الثلاثة الأخيرة، تَكَوَّنَ جيل من المثقفين والمفكرين الأفارقة فرضوا ذواتهم في مختلف بلدان أفريقيا، بل وفي كبريات الجامعات عبر العالم، على صُعد الإبداع والفكر النظري والفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية.