الأحد 14 أغسطس 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

سؤال في اليوم العالمي للشعر: هل ثمّة «قصيدة مزوّرة».. وكيف ؟

سؤال في اليوم العالمي للشعر: هل ثمّة «قصيدة مزوّرة».. وكيف ؟
25 مارس 2021 00:46

بقلم: رؤوف صدّيق
ترجمة: أحمد حميدة

هل ثمّة في مجال الشّعر من «عملة مزوّرة»، أي كلمات تكون بلا أنفاس، خالية من كلّ رشاقة، ويطمع أصحابها مع ذلك في أن تغدو ممجّدة ومكافأة بأكاليل باذخة من الغار؟ أي نعم! ومن تراه سيشكّ في ذلك؟ إنّ فنّ التّزوير الذي يطال أكثر من مجال، ومن بينها الممارسة الفنيّة بشكل محدّد، لا يستثني أبداً الشّعر. وحتّى نتملّك الوسائل الضّروريّة للتّمييز بين ما هو أصيل وما هو مزيّف في الشّعر، لعلّنا نكون بحاجة إلى تحديد ما يكسب قصيدة ما الصّفة المطلقة للشّعر. غير أنّنا بمجرّد ما يطرح هذا السؤال، سرعان ما تزدحم في أذهاننا النّظريّات الصّادرة في الغالب عن الشّعراء أنفسهم، والتي لا تقول بالضّرورة نفس الشّيء. فمن نيكولا بُوَالو وإيف بونفوا، مروراً ببول فرلين وروجيه كايْوا (لو اقتصرنا على ذكر الشّعر النّاطق بالفرنسيّة)، نكون قد ظفرنا بنصوص تحمل عنوان «الفنّ الشّعري»، وهي تلك النّصوص النّظريّة القيّمة التي نعثر فيها على آراء مستفيضة وعميقة تخصّ معايير الشّعر المتجذّر والأصيل. فبمَ قد تسعفنا تلك النّصوص في مثل هذا الجدل الذي يثار حول الشّعر؟
كنّا قد شاهدنا في نهاية القرن الـ 19 حركة تمرّد على النّزعة الشّكلانيّة في الشّعر التي قادت إلى غلبة البيت الحرّ في القرن العشرين، وكان هدف ذلك التمرّد حينها هو تمييز الشّعراء الحقيقييّن عن أدعياء الشّعر. وحول جماعة البرناسيّين -لي كونت دو ليل، جوزيه ماريا دو هيريديا، فيلّييه دو ليل...- تشكّل تيّار من ناظمي الشّعر، كان غرضهم الأساسي هو التمتّع بحضور مشعّ في الأوساط الشّعريّة. مناوئين للرّومنطيقيّة ولنزوعها إلى الاحتفاء بالمشاعر الذّاتيّة، زعم هؤلاء أنّهم يريدون التقيّد بالجوانب الأكثر تقشّفاً في الشّعر، ومنزاحين عن فوران الإلهام، كانوا يلتمسون العودة إلى الكفاءة التّقنيّة في مجال نظم الشّعر، وإذا بهم يظفرون بذلك الشّعار الرنّان: الفنّ من أجل الفنّ! الفنّ الذي لا يخدم أيّة قضيّة سوى قضيّة الفنّ! غير أنّ الفنّ الذي كانوا يريدون، كان أقرب إلى فنّ الحرفيّ الماهر منه إلى ذاك الذي يبدعه الفنّان وتفصح عنه ذرّة الجنون التي بداخله. ووفقاً لتلك الشّروط، أصبح الشّعر في المدينة ضرباً من التّنافس في مجال شبيه بالتّنافس الذي كان قائماً بين النجّارين أو بين الحدّادين. وقد أثار ذلك حفيظة الغيورين على الشّعر، الذين رأوا في هذا التوجّه انحرافاً خطيراً تفوح منه رائحة المراوغة والخداع. وفي حركة تصدٍّ له، كان فرلين ومالارميه من أبرز رموزها، تمّ الشّروع بكلّ جرأة في حفر قبر البيت الشّعريّ الكلاسّيكيّ.

معيار الموهبة
ولكن، هل كانت هذه القطيعة مع الموروث قادرة حقيقة على إيجاد حلّ لمسألة التّزوير في الشّعر؟ إنّها ستزيد على العكس من ذلك في تعقيدها، لأنّه كان على الشّعراء المزعومين تخطّي عقبة تقنيّة، كان الكثيرون منهم قد اصطدموا بها دون التوفّق في تجاوزها، فعلى أثر «أزمة البيت الموزون» حسب مالارميه، ودون اعتبار لقواعد العروض، استطاع بعض الشعراء صياغة جمل شعريّة بأسلوب مفخّم، وترتيب أجزاء منها على شكل «أبيات حرّة»، وابتهجوا لذلك، معتقدين أنّهم قد قدّموا للعالم شعراً. ومع ذلك، مستفيداً من حذف تلك العقبة التّقنية، ألفى القارئ نفسه ملزماً بـ«شحذ» أذنه (إن صحّ التّعبير) كيما يتذوّق ما كان يقرأ. فمن قصيد إلى آخر، كان يدرك أنّ ثمّة ما يوهم بالتّسامي، في ما كانت النّصوص ذاتها غثّة ولا طعم لها. يقيناً أنّه كان بإمكانه الاعتقاد في أنّ غياب ردود الفعل في بعض الحالات.. مردّه إلى الجانب الملغِزِ لتلك النّصوص، التي كانت بنياتها متواضعة لا تسمح بتجاوزها. فكيف لنا في هذه الحالة أن نتيقّن بأنّنا في حضرة قصيد مزوّر، قصيد يراكم العلامات الظّاهرة لنصّ عسير بهدف إخفاء طابعه العقيم؟ ليس بإمكاننا أن نتلافى تماماً وضعيّات الارتياب تلك، بل إنّها تزيد من قدرتنا على سبر النّصوص، على غرار متنبّئ انشحذت حواسّه فعثر على الماء تحت قشرة الأرض.
من الوسائل التي قد تساعدنا على اختبار وجاهة قصيد ما، حين يُبدي هذا القصيد من حيث محتواه مقاومة ما، هو الالتفات إلى كاتبه والتّساؤل إن كان هذا الأخير من المتيّمين حقّاً بالشّعر. ويقدّم لنا ريلكة في رسالته إلى شاعر شابّ معياراً يبدو مقنعاً: ليس بشاعر ذلك الذي لا يتصوّر أن تكون له مهنة أخرى غير الشّعر، وإن كان ثمن ذلك هو الإحساس بالضّيق والانزعاج. قد نقول حينئذ إنّ الإبداع الشّعريّ هو ذلك الذي يكون نابعاً من حتميّة تراجيديّة، وإنّ جعله محض هواية يدين في الحقيقة صاحبه، ويومئ إلى أنّ شعره لا يعدو كونه تقليداً. ولكن ثمّة من الهواة من يشتغل كامل الوقت، وقد نتعرّف عليهم من خلال مواقفهم المتفاخرة والأنوفة. فالإبداع لدى هؤلاء ليس وليد إلهام أو ابتكار خال من العواقب، تعرفهم من أناقة مظهرهم وطريقة عيشهم، التي تشي بأنّهم لم يكابدوا قطّ مخاض القصيد الذي صنعوا ولم يتأثّروا به.. وهنا يرتفع السّؤال: أويكفي أن يكون شاعر ما قد أخطأ اختيار هوايته حتّى يغدو قصيده مزوّراً؟ ألا تعدّ بعض القصائد نتاج صدف سعيدة وغير متوقّعة؟ ألم يترك لنا رامبو عملاً شعريّاً شامخاً، لا أحد يشكّ في أصالته، وذلك قبل أن يصبح تاجر أسلحة في مكان ما من إثيوبيا؟ وفي الوجه المقابل، نحن نعرف عديد الشّعراء الذين أمضوا حياتهم في نظم الشّعر ولكن لم يتبقّ أيّ أثر لما كتبوا. قد نقول إنّهم قد أصابوا في جعل الشّعر مهنة حياتهم، ولكنّ ذلك لا يعني أنّهم كانوا غير قادرين على ممارسة مهن أخرى، بل وأن يكون مثل ذلك الخيار هو الأفضل بالنّسبة لهم.

الانفعال والموهبة
في ما مضى، كان يتمّ اختيار شعراء البلاطات لمهارتهم البالغة في حبك الكلمات، دونما انشغال بموهبتهم الحقيقيّة، ولا شكّ في أنّ رغد العيش الذي كان يجلبه لهم وضعهم الاجتماعي هو الذي حملهم على الإمعان في ممارسة مهنة ليست هي مهنتهم.. ويحدث أيضاً أن يكون الانفعال أكثر من التولّه بالشّعر هو الدّافع إلى ذلك، دون أن تكون الموهبة هي العامل المحدّد. وفي مثل هذه الحالة، قد نظفر بشاعر لا بقصائد حقيقيّة. وقد نقول، على سبيل الاختصار، إنّ معرفة الشّاعر من حيث رفعة موهبته قد تشكّل إحدى العلامات الدالّة على مدى جودة شعره، ولكنّها لا تمنحنا مفتاحاً جوهريّاً في ما يتعلّق بالأصالة الشّعريّة لقصيده، ولا تعفينا من التزام الحذر دائماً في مقاربتنا للشّعر الأصيل.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©