الإثنين 15 أغسطس 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

فيليب جاكوتيه.. آخر الشعراء «الغنائيين»

فيليب جاكوتيه.. آخر الشعراء «الغنائيين»
25 مارس 2021 00:46

ترجمة وتقديم: بول شاؤول

أخيراًً، دخل الشاعر السويسري الفرانكوفوني الكبير فيليب جاكوتيه في «محراب» سلسلة «البلياد» (غاليمار) المخصصة لكبار المبدعين العالميين، أمثال شكسبير وموليير وديدرو ولوركا وأندريه جيد وغوته وسيلين وريلكه وبلزاك وبوشكين وهولدرلين... ومع أن هذه السلسلة من الأعمال الكاملة تخصص عادة للراحلين، فإن استثناءات ما كسرت القاعدة، ليدخل إليها مؤلّفون وهم أحياء، وآخرهم فيليب جاكوتيه (مواليد 1925 في مودون بسويسرا)، الذي دخلها قبل وفاته في 24 فبراير الماضي؛ (وقد يدخل في الأشهر المقبلة أيضاً لوكليزيو)... فهل يستحق هذا الشاعر «المنعزل» في الطبيعة، في كسوره ووحدته، وفي تجربته غير المنتمية إلى أي تيار أو مدرسة؟ في الواقع هذا الشاعر، يبدو وكأنه آخر الشعراء «الغنائيين» (من القلب إلى القلب)، إلا أنها غنائية مكثفة غير مكشوفة، تلمع أحياناً من غموضها، أو من شفافياتها الغامضة، ولكن من دون تعقيد أو إبهام، فهو ليس لاعب أشكال، ولا مفجر لغات (كالسرياليين)، ولا هاوي نحت، أو حفر، أو كسر. على العكس، فبساطته (تشبه بساطة بول إيلوار أو ناظم حكمت، أو لوركا)، لكنها بساطة مفخخة، مركبة في تجربتها اللغوية، مصفّاة في بنيتها وقاموسها (يذكر بأشعار جورج شحادة) أو الإيطالي يوغاريني. 
ومع هذا، وعلى الرغم من تأثره بالشعر الفرنسي، فإننا نجد في قصائده ما يحيل إلى شعراء ألمان كهولدرلين وخصوصاً جورج تراكل. كأنه تسرب -قبيل وفاته بقليل- إلى معمارية «البلياد» المُفخمة كدمعة، أو كهمسة، أو كقطرة جدول... أو بريق نجمة.. لقد أحببته منذ تعرفت على شعره قبل نحو 40 عاماً، وترجمت له قصائد في مجلات عديدة.

مختارات من شعره

داخليٌّ
منذ فترة طويلة أسعى إلى العيش هنا في هذه الغرفة التي أتظاهر أني أحبها، الطاولة، الأشياء المهملة، النافذة التي تفتح على امتداد كل ليلة خضرة أخرى وقلب الشحرور يخفق في اللبلاب المظلل في كل مكان أضواء ما تنهي الظل الشائخ.

أوان البذر
1
كنا نتمنى الحفاظ على النقاء، 
للشر ما يفوق الحقيقة
كما نتمنى ألّا نُكِنّ ضغينةً
مع أن العاصفة تبلبل الحبوب
من يعلم كم أن الحبوب خفيفة
يشكك في عبادة الرعد

2
أنا خط الأشجار غير الملتبس
حيث تخفق حمائم الهواء بأجنحتها!
أنت الذي نداعبه حيث يولد الشعر...
لكن تحت الأصابع التي خيبتها المسافة
تنكسر الشمس الناعمة كقشة.

3
يتربع النهار فيّ كَثَورٍ:
كأنما على وشك الاعتقاد بأنه قويّ...
لو كان بالإمكان ترك التوريرو
وتأخير تنفيذ الموت قليلاً.

4
آه! أيام الربيع الأولى
لاعبين في ساحة المدرسة
بين حصتين من الريح.
عصافير، أزهار وثمار
قشة عالية جداً في الفجر
هذه الهبة. التربة
ما الذي يعبر من جسم إلى آخر؟
نبع خرج من مهد الجبال
جمرة
لا نسمع فقط عصافير بين الحجارة
بعيداً جداً، مطارقُ
ما كل زهرة سوى ليلٍ
توشك أن تقترب
لكن من حيث يرتفع هذا المطر
لا أمل في الدخول
ولهذا السبب يقلقني 
ويجعلني أسهر طويلاً.
كل لون، كل حياة
تولد حيث تتوقف النظرة
هذا العام ليس سوى عرف
من حريق لا نراه
أمشي في حديقة من الجمر الطازج (الطري)
تحت مظلة الأوراق
هذا النجم الملتهب على الفم
ثمار
في غرق البساتين 
هي كرات معلقة
يلونها مرور الزمن
قناديل يشعلها الوقت
حيث الضوء عطر
نتنفس تحت كل غصن
سوط النحلة العطري
إنها لآلئ بين العشب
من صَدَف على مقاس أكثر وردياً
ما يجعل الضباب أقل بعاداً
كم تنام طويلاً 
تحت آلاف الجفون
ظل الغيوم البطيء
كقيلولة بعد العشاء
إلهية الريش
مجرد صورة أو حاملة تحت الجناح
انعكاساً حقيقياً
أنت من نصحتني
أيتها العصفورة الخاملة
والآن أنظر إليها
في وسط مفاتيحها من الحراشف
تحت ريشك الضائع.
صاعقة آب
ثمار مع الوقت أكثر زرقة
كأنما نائمة تحت قناع من الحلم
في القش المشتعل
وغبار ما بعد الصيف
ليلة متمرئية
لحظة تحب فيها
أن الينبوع يحترق
هم طير الترغل
أو خطوة في النهار
كاسرة ما يربطها الليل
حقل تشرين الأول
الرقة المتناهية
مجسدة بعيداً:
على الحدود بين الجبال والهواء
مسافة/‏‏‏ شرارة طويلة
تمزق، ترهف 
نهاراً كاملاً الأصوات المتواضعة
لعصافير غير مرئية
الساعة تضرب في العشب على ورقة من ذهب 
السماء بمقاس أكبر
الأرض كلها ظاهرة للعيان
وقابلة للقياس
ملأى بالوقت
معلقة بريشة تصعد
أكثر فأكثر مشعة
تفاحات متفرقة
على مساحة شجرة التفاح!
بسرعة
فليحمرّ الجلدُ
قبل الشتاء
..
شجر
عالم ملتبس، صفيق
عظام وحبوب 
تنازع بصبر
لكي تكون كل سنة
مخترقة بالهواء.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©