الإثنين 8 أغسطس 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

«طير الليل».. الماضي هو المفتاح

غلاف الرواية
16 مارس 2021 02:51

محمود إسماعيل بدر (أبوظبي) 

عندما تفتح رواية «طير الليل» للكاتب الجزائري المغترب عمارة لخوص، تدرك أنك أمام نص جزائري خالص بمقاييس عالمية، فالروايات الكبيرة تظهر منذ صفحاتها الأولى التي يتجلّى فيها الجانب السردي والإبداعي لصاحبها، وبذلك يعدّ لخوص من الأصوات التسعينية النوعية في الأدب، والتي تبشر بمستقبل واعد للرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية، فضلاً عن حضوره القوي في المشهد الثقافي الغربي، فقد حاز جائزة «فلايانو الأدبية الدولية» عام 2006. أما روايته التي صدرت منها أكثر من طبعة، فتضعنا في قلب مدينة وهران صبيحة عيد الاستقلال. حيثُ يُعثر على مجاهدٍ سابق في ثورة التّحرير مذبوحاً. يقطعُ قائدُ وحدة مكافحة الإرهاب العقيد كريم سلطاني إجازته ليتولّى التّحقيق وثلاثة أسئلة تُلحُّ عليه: مَنْ قَتَلَ ميلود صبري؟ لماذا في هذا اليوم بالذّات؟ وهل في ذلك علامة على عودة سنوات الإرهاب في التِّسعينيَّات وتصفية الخصوم؟ 

  • عمارة لخوص
    عمارة لخوص

«طير الليل» التي صدرت في طبعتين، تدور أحداثها في يوم واحد يكشف جوانب خفية من مسيرة وتاريخ ثورة التحرير الجزائرية، وما حدث في سنوات الاستقلال على مدار 60 عاماً، في حين تلامس فضاءاتها مواضيع شتّى عن الحب والعنف والحقد والوفاء والخيانة، وتصفية الحسابات، وقتل الأخ لأخيه، قبل أن تصل إلى حلّ خيوط الجريمة من حيث لم نتوقع، وكل هذا بلغة رصينة، ينظر إليها الكاتب كائناً حيّاً يؤثر ويتأثر في الفضاء الذي يحيط به، ويستند إلى منظومة فكرية وشبكة علاقات اجتماعية. 
لقد أجاد الكاتب في رسم تحركات أبطاله من خلال ما يسمى بـ«السيرة النّصية» في الأدب، الذي صار رائجاً كأسلوب تستخدمه الرواية الحداثية في العقدين الماضيين، حتى أصبح الروائي يتكلم بلسان شخصيات رواياته، ويكشف أسرارها، وهو ما فعله في حبكته الجنائية المعقدة، مستخدماً شخصية جذابة هو العقيد كريم سلطاني، الذي يكشف من خلال تحقيقاته في اغتيال أحد المجاهدين عن تفاصيل دقيقة في حياة المجتمع الجزائري، وما فيه من اختلالات وتحولات جذرية، ونجد في ذلك استثماراً بديعاً للحديث عن فترة الحاضر، وهي فترة التحقيق في مقتل طير الليل، وسيادة مظاهر من الزيف والفساد التي تظهر لنا فيها شخوص الرواية بشكل أوضح وأكثر نضوجاً. وحينما يقول لخوص على لسان أبطاله: «الماضي هو المفتاح» فإنه يقصد ذلك تماماً، مستخدماً هذا الماضي الممتلئ بالأحلام الكبيرة، والنضالات العزيزة لشعب أصيل مناضل، مواصلاً السرد الوصفي للحديث عما تمر به بلاده حالياً، رابطاً إياه بالحاضر في توليفة رائعة حد الألم، أراد من خلالها أن يبرز واقع مجتمع هش. 
«طير الليل» رؤيا كاتب متنور، حرّ ومستقل، تميزت أعماله بالعربية والإيطالية بالجدّية والرصانة، يبحث في متناقضات الانفتاح والانغلاق، والمعقول والعبثي والأمل واليأس، والحرب والوطن، والحب والخوف.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©