الجمعة 19 أغسطس 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

حميد الهاله النعيمي.. منارة الشعر

حميد الهاله النعيمي.. منارة الشعر
6 مارس 2021 00:04

إبراهيم الملا

«يا نديبي فوق (مكلوفة)»       لي تْهايِرْ شيفة الظلِّ
شافِني من قبل لا شوفه        لابس المنثور والتَلّي
العطر والشامي يْدوفه          ما دِهَنْ يا «سعيد» بالحلِّ
عبّروني فوق مكشوفه           كان قولي في الغِضي زلِّ»

يحاور الشاعر الكبير حميد بن خلفان النعيمي الملقّب بـ «الهاله» مكونات الطبيعة المحيطة به ويوظّف جمالياتها التراثية، ليطرّز بها قصائده الغزلية، ويمنحها زخماً تشكيلياً يثري الخيال ويبهر النظر.
وفي قصيدته أعلاه، يشرع النعيمي في بناء معماره الوصفّي، انطلاقاً من المكوّن الأساس في بيئته، وهو المكوّن الذي تهفو إليه النفس وينشغل به النظر، ونقصد بهذا المكوّن «الإبل» المشاركة في توليف الحياة البدوية الأصيلة في حلّها المؤقت وترحالها الدائم، بحثاً عن الماء والعشب والكلأ وسط الفيافي والبراري الممتدة، وضمن براحٍ صحراويٍ شاسع، تكون فيه «المطايا» هي المعين الأكبر والوسيلة الأهم في ارتياد هذه الآفاق الصعبة والمترامية الأطراف.
يستهلّ شاعرنا قصيدته بذكر «المكلوفة»، وهي الناقة القوية والقادرة على تحمّل «تكاليف» الأسفار وثقل الأحمال، والتي تترجم شدّة بأسها في مقاومتها للظروف المناخية الصعبة، فهي لا تختار المبيت تحت ظلال الأشجار «لي تهاير شيفة الظلّة»، بل تطلق ساقيها في الرمال الحارّة ولا تبالي، مشيراً إلى مندوبه الذي يمتطيها أن يبوح بلواعج قلبه للمحبوب المغادر والتارك بصمةً في الروح لا يمكن محوها، والحاضر بأثره وصداه رغم غيابه، واصفاً محبوبته بالمرأة الزاهية المتزينة بالذهب واللباس الفاخر، وأن عطرها الفوّاح منتشر في الأجواء رغم رحيلها، فهو عطر مصنوع من الزعفران الشامي الموزّع على جدائلها، وهو عطر ثمين تطول رائحته ويستمر شذاه لوقت طويل، وليس كدهن «الحلّ» الرخيص الثمن والمتلاشي تأثيره سريعاً، راجياً في نهاية القصيدة أن يصل اعتذاره للمحبوب، إن كان وصفه قاصراً عن الإحاطة بكامل مزاياه، أو إذا اعترى مدحه الزلل لعدم بوحه بمجمل الخصال الرائعة والمناقب الرفيعة، التي يستحقهّا المقام، ويعجز عن وصفها المقال.

 

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by صحيفة الاتحاد (@alittihadae)


وفي قصيدة غزلية أخرى تكشف مدى براعة النعيمي في سبك أشعاره وضخّها بالصور اللافتة والمعاني الغزيرة والمفردات الموحية والفريدة بمناخاتها التعبيرية، يقول فيها شاعرنا:
«وَيَّهتْ وركابي ظوامي / واسقي لِيَه والوِرْدْ ممنوع
يا «رْشيد» لو تفهم كلامي / ما هزّني في الزين مطموع
سيّرت صوبه بالسلامِ / عِسَنْ وَصْلَه هوب ممنوع
عساه يوقف في المقامِ / ويكون منه الدِّين مرفوع
الله يعزّه م الملامِ / غرٍّ يخوّز صاهي الصوع
ليْواد لي مثله عْدامِ / لي كاملين آداب وطبوع
ليته رفيج ومن عمامي/ في حيّته باسايل شروع
وباسكّنه ظلّ الخيامِ / عن لا يتابع ظلّة (الشوع)
عليه ردّوا لي سلامي / مثناي ومثلوث ومربوع»

أفق القصيدة
تتوالى المشاهد المتحركة في أفق القصيدة، لتمنحنا انطباعاً يتنقّل بخفّة ورشاقة بين المعاني الرقيقة والصور المعبّرة، ضمن مسار توصيفي حافل بالتنويع والإدهاش والتزيين، فهو مسار يتداخل فيه الخطّ (الحسّي/ الخارجي)، مع الخطّ الوجداني/ الداخلي)، فالركاب أو الإبل الظامئة، تعبّر عن الظمأ الداخلي للشاعر، في تعبير متقن عن توقه الجارف للمحبوب، حيث الغياب الطويل أشبه بأرض مقفرة، حتى لو وجدت فيها موارد الماء، فهي موارد شحيحة، ويُمنع الاقتراب منها، حتى لا تجفّ من شدّة الاستهلاك، وحتى لا تنضب من فرط السقاية.
يشبه الشاعر محبوبه هنا بالبئر، لأنه القادر على إطفاء لهيب فواده، واسكات عطشه الدائم للتشبّب واستيفاء شروط الهوى، متمنياً ألّا يكون مورد العشق هذا ممنوعاً من الوصل والاتصال وجلب ما يطفئ ظمأ القلب، وما يشفي غليل الهائم في مطلبه، مستعرضاً الصفات الغالبة على محبوبه، فهو كريم الطباع ولا يدانيه في ذلك أحد، وهو مكتمل بحيائه وأدبه وحسن أخلاقه، ما يدفع الآخرين إلى طلب ودّه ومصاحبته، فكيف بالعاشق المغرم به، والذي يدفعه شوق أشدّ ورغبة أقوى، ولذلك يختم قصيدته بإبداء رغبة مشبوبة لاستضافة المحبوب إلى خيمته الظليلة، بدلاً من لجوئه لأشجار (الشوع) القليلة الأوراق والشحيحة الظل، وفي هذا البيت الشعري رمزية عالية يقارن فيها الشاعر بين نظرته وتقديره للمحبوب وبين نظرة الآخرين له، فإذا لم يحدث هذا الأمر ولم تشأ الظروف أن يلتقيا، فإنه يبعث بالسلام المضاعف والترحيب الطاغي (مثنى وثلاث ورباع) تعبيراً عن لهفته الجارفة، وصبوته العارمة.

حظوة شعرية
امتلك الشاعر «حميد بن خلفان النعيمي» نصيباً وافراً من لقبه المشهور به، وهو: «الهاله» فيما يمكن وصفه بالحظوة الشعرية، التي أضفت عليه هالة من التوقير والجذب والاهتمام، تثميناً لدوره في تحويل القصيدة في زمنه إلى ما يشبه «البريد الشفهي»، باعتبارها وسيلة اتصال غاية في الأهمية والتأثير، فقصائده الحافلة بالأغراض والمواضيع الشعرية المتنوعة، استثمرت قابلية شعر «التغرودة» للانتشار السريع بين الأهالي لتمكين المعاني المبطّنة، والإشارات الظاهرة من ملامسة وعي الناس، ولفت انتباههم للأحداث المحيطة بهم، وكشف ملابساتها، والتحذير من توابعها السلبية قبل حدوثها، والتبشير كذلك بالنتائج الإيجابية للأحداث الأخرى المغايرة، كما كانت للتغاريد الحماسية التي بثّها الشاعر «الهاله» دوراً إخبارياً في الأوساط الشعبية أثناء التحولات الكبرى في منطقة (الظاهرة) الممتدة من البريمي ثم مدينة العين، وصولاً إلى حفيت والسنينة وضنك وعبري وقايل، وغيرها من المناطق القريبة، التي شهدت في بدايات القرن العشرين حراكاً سياسياً عنيفاً ومهدداً للمجتمعات الآمنة والمستقرة حينها.

التغرودة
من أشهر التغاريد المعروفة للشاعر حميد النعيمي تلك التي يقول فيها:
«ياراكبٍ شقرا رِبيّةٍ بونها /‏ ناخفٍ وخليام اللحوم امتونها
سَلِّم وبَلِّغ رمستي مضمونها /‏ بنت الدهر ألفت تسوق اظعونها»
ومن المعروف أن «التغرودة»، وهي مفرد تغاريد، ينشدها الشاعر عادة على ظهور المطايا أثناء الأسفار البرّية الطويلة، وهي صيغة تعبيرية يسهل وصولها للمتلقين في مناطق بعيدة ومتعددة بسبب كثافتها الموضوعية، واعتمادها على سرد متماسك، يتناول محوراً بعينه في أبيات قصيرة يمكن حفظها وترديدها، والاستعانة بها في الفنون الغنائية الشعبية، وفي الشلّات الحماسية، والاحتفالات الجماعية المتعلقة بالأعياد والمناسبات المختلفة، التي تضم بجانب «التغرودة» فنوناً شعرية أخرى مثل «الردحة» و«الونّة».

وحيد ويتيم
يذكر الباحث الدكتور راشد أحمد المزروعي في كتابه «موسوعة أعلام الشعر الشعبي»، أن الشاعر «حميد بن خلفان بن حمد الفليتي النعيمي» المولود في عام 1890م والمتوفى عام 1977م، هو من أهم وأشهر شعراء «الظاهرة» بالمنطقة الشرقية لأبوظبي، وأن والده لم ينجب سواه وأطلق عليه بجانب اسمه الأصلي «حميد» اسماً آخر هو «الهاله»، وذلك كعادة الآباء والأجداد في الماضي، لتسهيل مناداة أبنائهم وتدليلهم في الوقت نفسه، أو كما يسمونه محليّاً «اسم الصغر» أو الطفولة.
ويضيف المزروعي، أن «الهاله» عاصر مجموعة من الشعراء الكبار في عصره، في المرحلة ما قبل الحديثة، التي تمتد من بدايات العقد الأول من القرن العشرين الماضي وحتى نهايات سبعينياته، وتشمل العقد الأول من عمر اتحاد الإمارات.
واستقى الباحث معلومات مهمة عن الشاعر «الهاله» من قبل حفيده الشاعر المعروف راشد بن عبلان الكتبي - رحمه الله - إضافة إلى روايات ذكرها له الشاعر عبيد بن معضد النعيمي - رحمه الله - ويرد في هذه المعلومات أن شاعرنا قضى معظم حياته وحيداً ويتيماً بسبب وفاة والده مبكراً، ثم وفاة جدته، وانتقال أمه مع زوجها إلى منطقة «ضنك»، الأمر الذي دفعه للذهاب إلى عائلة «ابن شويخة» من قبيلة النعيم التي سكنت منطقة «الهيلي» بالعين، فاستقر به المقام هناك وطاب له العيش وسط تلك العائلة، وكان ذلك في فترة حكم الشيخ سلطان بن زايد الأول، وبعد حدوث مشاكل بين عائلة ابن شويخة والأهالي في منطقة هيلي، انتقل شاعرنا مع عائلته الجديدة إلى مرابع قبيلتهم «النعيم» في مناطق مزيد وضنك، وهناك تزوج شاعرنا من إحدى بنات «أبن شويخة» وتسمى «سلمى»، حيث عاش معها في منطقة «ضنك»، وأنجب منها ثلاث بنات ولم ينجب أبناءً ذكوراً.

الغوص 
تخبرنا سيرة الشاعر «حميد الهاله النعيمي»، الواردة في الكتاب أنه عمل في الغوص مدة سنتين عاد بعدها إلى العين، واستقر فيها مع بناته ثم مع أحفاده حتى وفاته - رحمه الله - في عام 1977م، بعد حياة حافلة بالعطاء الشعري الغزير.
ويشير الباحث الدكتور راشد المزروعي إلى براعة الشاعر «الهاله» في نظم قصائد الغزل والمدح والردود والشكاوى، كما كانت قصائده الهجائية منتشرة بين الناس، أما تغاريده فقد حفظها الأهالي وتغنّوا بها طويلاً.

مفردات المكان
للشاعر حميد الهاله النعيمي قصيدة مشهورة ارتجلها أمام الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّب الله ثراه - بعد عودته من الحج، وزيارته لمنطقة «مزيد» في العين ومعاينته لحفر «الفلج» في حيّ أم غافة، وتميّزت قصيدته تلك بالجزالة والعمق، وتصوير مفردات المكان وتطويعها شعرياً ضمن قالب سردي أخّاذ ومبهر يعود للأساليب الشعرية القديمة في طبيعة نظمها ونوعية قوافيها وأوزانها، يقول الهاله في قصيدته الموجهة للشيخ زايد في نهاية الستينيات من القرن الماضي:
«يقول (النعيمي) يوم عدّ القصايد /‏‏‏‏ على (الفلاحي) ردّ صافي علومها
نور المحيّا راعي الفضل (زايد) /‏‏‏‏ خلّا الجماعة وافيات قسومها»
إلى أن يقول:
«يا ما فقير عاش من فضل (زايد) /‏‏‏‏ عساه في نعمه وربّي يدومها
نهار ضيفه مثل يوم الوعايد /‏‏‏‏ مثل المخايل نازلة من غيومها
ويلّي يدور العزّ هل بالوسايد /‏‏‏‏ يعالي زمانه لين تظهّر رْسومها»

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©