عبد الدائم السلامي

لقد نزل الوحيُ الإلهيُّ باللغة العربية. ومن ثمّ كانت العربية حاضنةَ الدّين الإسلامي، ولها به ارتباطٌ حميمٌ. ولذلك أن للغتنا العربية صلةً بأهلها متميّزةً ربّما يندُرُ أن نجد لها مثيلاً في بقية لغات الشعوب الأخرى، وهي صلة ممتدّةُ في التاريخ يمكن أن نكشف هنا عن لحظاتٍ منها ثلاثٍ ترتبط كلّ لحظة منها بوظيفة من وظائف العربية. 
أما اللحظةُ الأولى فهي التي مثّلت فيها اللغة العربية بالنسبة للإنسان العربي في العصر الجاهليِّ سبيلَه الوحيد إلى الحضورِ في العالَم. فقد كان يستدعي العالَمَ إلى لغتِه، سواء في قصيدتِه، أو حكمتِه، أو مَثَلِه، أو مَحْكيّاتِه، يستدعيه ليأتَنِسَ به من وَحْشة عُزلتِه في جسدِه، وفي حدود عشيرته. ذلك أنه في الوقت الذي كان يخرج فيه إلى الفلاةِ كان عالَمُ الفلاةِ يُدخل إلى لغته تشبيهاتٍ، ومَجَازَاتٍ، واستعاراتٍ، وكناياتٍ، وحكمةً وأمثالاًً.
وكانت اللغة حينئذٍ امتداداً لذاتِ الإنسان خارجَ حدودِ جسدِه الماديّ، أعني: كانت اللغة جسدَه الثانيَ المفتوح على الآفاق فلا تَحُدُّه جِلْدَةٌ. إنه لم يكن يصطاد من الفلاةِ وحوشَها فحسبُ، وإنما كان أيضاً يصطاد من تلك الوحوش صفاتِها ليمنحها لمعشوقته في العشيرة، أو لراحلته في الطريق، أو لسيفه في الحرب، أو لممدوحه في الكَرمِ. لقد كان يصطاد بلغته ما لا يقدر على صيده بحَرْبتِه، أعني: كان يصطادُ المعنى القِيَميَّ والجَمالِيَّ. وقد يهجو الشاعرُ حالاً من أحوالِ معيشه أو فرداً منه، فإذا هجاؤه ذاك احتجاجٌ منه باللغة جميلٌ على قُبح ظاهرةٍ في الواقعِ، إنه عملٌ لغويّ لنقد المجتمع وتخفيف سطوة القبح فيه، وهو نسفٌ لمعاييرَ يراها الشاعر لا تليق بوقته واستحداثٌ لأخرى بديلةٍ، إن الهجاء، في منتهى غاياته، حدثٌ جَمَاليٌّ.
لننظرْ معاً في جمالية الكناية الواردة ببيت المتنبي‬: 
فَلَا تُرَجِّ الخَيْرَ عِنْدَ امْرِئٍ ** مَرَّتْ يَدُ النَخَّاسِ فِي رَأْسِهِ

قال البرقوقي شارحاً هذا البيت: النخّاس: الذي يبيع الدَّوابَ، لأنه يَنْخَسُها لتنشط، (نخَس الدابّةَ: طَعَن مؤخَّرَها أو جنبَها بعُودٍ أو نحوهِ لتنشَطَ) ويطلق على بائع الرقيق. ورجاه ورجّاه -بالتشديد- وترجّاه: بمعنىً. وفي رأسه: أي على رأسه. والمعنى: لا تأملِ الخيرَ ممن رأى الهوانَ والذلةَ وسِيقَ في أسواق الرقيق.‏‭ 

بُلوغ غاية الحق
وأمّا اللحظة الثانية التي ميّزت علاقة اللغة العربية بأهلها، فهي لحظة احتوائها دعوة الإسلام، حيث تكفّلت بحمل الدين الجديد إلى شعوب الأرض، ودعوتِها إلى الدخول فيه، وتمثُّلِ قِيَمه، فإذا النصّ القرآني ينتشر بين الناس، وإذا هم لائذون به ومتخذون اللغةَ العربيةَ سبيلاً إلى بُلوغِ غايةِ الحقِّ الذي فيه. لقد عرّف محمد الطاهر بن عاشور العربية بقولِه: «وأمّا العربية فالمراد منها مقاصد العرب من كلامهم وأدبِ لغتهم سواء حصلت تلك المعرفة بالسجيّة والسليقة، كالمعرفة الحاصلة للعرب الذين نزل القرآن بين ظهرانيهم، أم حصلت بالتلقّي والتعلّم كالمعرفة الحاصلة للمولَّدين الذين شافهوا بقية العرب ومارسوهم، والمولَّدين الذين درسوا علوم اللسان ودوّنوها»، ويُضيف: «إنّ القرآن كلام عربيّ فكانت قواعد العربية طريقاً لفهم معانيه، ومن دون ذلك يقع الغلط وسوء الفهم، لمن ليس بعربيّ بالسليقة، ونعني بقواعد العربية مجموع علوم اللسان العربي، وهي: متن اللغة، والتصريف، والنحو، والمعاني، والبيان. ومن وراء ذلك استعمال العرب المتَّبَع من أساليبهم في خُطبهم وأشعارِهم وتراكيب بُلغائهم، ويدخل في ذلك ما يجري مجرى التمثيل والاستئناس للتفسير من أفهام أهل اللسان أنفسِهم لمعاني آيات غيرِ واضحةِ الدّلالة عند المولَّدين». 

ثلاث وظائف للغة
بل إنّ فخر الدّين الرازي يرتقي بأمر تعلّم العربيّة من جهة مساهمتها في معرفة كتاب الله إلى مرقى الواجب الدّينيّ في قوله: «لما كان المرجع في معرفة شرعنا إلى القرآن والأخبار، وهما واردان بلغة العرب ونحوهم وتصريفهم، كان العلم بشرعنا موقوفاً على العلم بهذه الأمور، وما لا يتم الواجب المطلق إلا به، وكان مقدوراً للمكلَّف، فهو واجب». ولابدّ من الإشارة إلى أنّ للعربيّة، في صلتها بالدّين، ثلاثَ وظائفَ: أخلاقية، وفقهية، وجمالية. فبوظيفتها الأخلاقيّة حمى القرآن ألسنةَ الناس من الخطأ عند تلاوته، حيث شرحوا بها أسرارَه الدَّلاليّةَ، وهذا ما عزّز توحيد المشاعر الدّينية، ونشر القِيمِ الكونيّة وتنمية الوجدان الجمعي. ولعلّ هذا ما جعل عمر بن الخطّاب، رضي الله عنه، ينبّه إلى فضلها في صَوْن أخلاق الناس بقوله «تعلموا العربية فإنها تزيد المروءة». كما نجد للعربية وظيفةً فقهيّةً مكّنت أهل الإفتاء والمشتغلين في مجال الفقه من بلوغ قلبِ دلالات النصِّ الدّينيّ واستنباط الأحكام الشرعيّة منه وفقَ ما يُؤكده الشافعيّ (ت204 هـ) في قوله: «ما أردت بها -يعني: العربية- إلا الاستعانةَ على الفقه». 

تبليغ القيم الكونيّـة
وإنّ أغلبَ دارسي النصّ القرآني يذهبون إلى القول إنه قد توسّلَ اللغة العربيّة وأفانينَ النَّظْم فيها سبيلاً إلى تبليغ مجموعة من القِيَم الكونيّة إلى المؤمنين، سواء ما كان موجوداً منها في البيئة القَبَليّة بمزيد تثمينه وتعزيزه، أو تلك التي يطرحها بديلاً عمّا كان سائداً عند ظهور الدعوة المحمّدية ويخالف تعاليمَها. وهو ما يمثّل الوظيفة الجمالية للعربية. فكان فهمُ هذا القرآن مشروطاً بضرورةِ الاطلاع على آداب العربيةِ من جهة ما توفِّره للدارس من إضاءات مهمّة تمكّنه من بلوغ مضامين هذا النص القوليّة. فلا يكفي المرءَ إيمانُه بالكتابِ وقراءتُه له ليعرفَ فضلَه، «(وإنّما) يَعرِفُ فضلَ القرآن مَن عرِفَ كلامَ العرب فعرفَ علمَ اللغة وعلمَ العربيّة وعلمَ البيان ونَظرَ في أشعار العرب وخُطبِها ومقالاتِها في مواطن افتخارِها ورسائلِها وأراجيزِها وأسجاعِها فعَلِمَ منها تلوينَ الخِطاب ومعدولَه وفنونَ البلاغة وضروبَ الفصاحة وأجناسَ التجنيسِ وبدائعَ البديع ومحاسنَ الحِكم والأمثالِ‏‭«‬.
ولا يَخْفى في هذا الشاهد تحوّلُ علومِ العربية وآدابِها إلى شرطٍ أساسيٍّ لمعرفةِ النصّ القرآني على حدّ ما جاء في الحديث الشريف: «إذا سألتم عن شيء من غريب القرآن، فالتمسوه في الشعر، فإنّ الشِّعرَ ديوانُ العرب‏‭«‬.

استضافةِ الآخر
وبالنسبة إلى اللحظة الثالثة من لحظات توهّج العلاقة بين العربية وأهلها، فهي في تقديري لحظةُ تحوُّلِها عندهم إلى فضاءٍ عالَمي لاستضافةِ الآخر، وهي لحظة دعّم أساسَها الخليفة المأمون وشاد بناءَها ابن رشد. ذلك أنه لم يكتفِ بنقل عصارة فكر اليونان إلى العربية، وإنّما شرح ذاك الفكرَ وأبدى رأيَه فيه ضمن أطروحات عديدة، أشهرها قولُه بأن بلوغ الحقيقة لا يكون إلا عبر أحدِ طريقيْن: إمّا عن طريق الإيمان، وإما عن طريق العقل، فإذا تعارض الطريقان تكون الحقيقة ما يقوله العقلُ. وقد نُقلت شروحُ ابن رشد وأطروحاتُه إلى الغرب، ومثّلت هنالك الزّلزالَ الذي رجّ طمأنينةَ الكنيسة حينها، ودشّن بذلك عهدَ التنوير في أوروبا.
وما أخلص إليه هو أنّ العربيةَ ليست لغة يتواصل بها أهلها فيما بينهم فحسبُ، وإنما هي مصدر من مصادر ذاتهم الثقافية، أعني: هي مصدر من مصادر هُويتهم في هذا العالَمِ.