عبدالوهاب العريض

بينما كان أهالي مدينة كونيغسبرغ يضبطون ساعتهم على مواعيد جولات التنزه للمفكر الألماني إيمانويل كانط، نجد بأن فريدريك نيتشه الذي استقر في قرية سليس - ماريا يطلق جملته الشهيرة «لا تصدِّق أي فكرة لم تولد في الهواء الطلق»، ويتحوّل إلى مشَّاء القرية، فيكتب لشقيقته رسالة يخبرها بأنه أصبح يمشي «ثماني ساعات يومياً».. ويؤلف أفكاره، ولعل وجه المفارقة ما بين كانط ونيتشه، أن الأول كان يخرج في جولات المشي للنزهة في المدينة، بينما الآخر يبحث عن عزلته أثناء المشي وصناعة مشروعه الفكري، وهو يتفق في هذا مع جان جاك روسو الذي يقول في سيرته الذاتية -اعترافات- (من دون المشي ما كنت لأستطيع الكتابة، ولو حتى كلمة واحدة، أو قصيدة، أو قصة، أو مقالة).
كان المشي على مر العصور وسيلة للتنقل بالنسبة لعامة الشعوب، فيما يستخدم علية القوم الدواب في ترحالهم، وغزواتهم، ولكن الوسيلة العامة كانت الأقدام التي تجوب الشوارع والمدن، وتقطع المسافات، حيث تعرف المعاجم اللغوية المشي على أنه «الانْتِقَالُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ سَيْراً.. قَطَعَ الْمَسَافَةَ مَشْياً»، ولكن في العصر الحديث أصبحت المسافات تقاس بالكيلومترات التي تقطعها القطارات أو الحافلات والسيارات الخاصة، ومن النادر أن نجد من يستخدم أقدامه لقضاء المسافات أو المشاوير التي هو بحاجة إليها.

حالة من التأمل
وبالعودة لذاكرة السنة الماضية 2020، مع انتشار جائحة «كورونا»، على مستوى العالم، حيث كان الحجر جزءاً من محاولة القضاء على الوباء، وجد الناس أن اللحظات الوحيدة التي تمنحهم التغير من الإقامة الجبرية داخل المنازل تمثلت في ساعات «المشي»، ولكنه كان بدافع التغير، وربما أعطى البعض فرصة لنفسه كي تكون ساعات «المشي» هي حالة من التأمل، إذ إن بعض الفلاسفة يؤكدون  أن «المشي هو أفضل طريقة للتفكير البطيء لمعالجة القضايا الجوهرية في حياة الإنسان»، ولذا نجد أن من كان لا يعرف البطء في حياته، أجبرته الظروف التي مرت أن يعيش الأربع وعشرين ساعة ويلامس كل دقائقها وتفاصيلها اليومية، فأصبحت حينها حديث «المجتمع»، والتأكيد على ضرورة المشي، ما جعل الجهات المسؤولة تقوم بتحديد التطبيقات الخاصة به، ومنح الناس ساعات مخصصة كي يستطيعوا من خلالها كسر الروتين اليومي، وربما ذهب البعض لاعتبارها نوعاً من أنواع الرياضة، بينما «المشي» ليس تقنيات وقواعد ومنافسات، كما هي الرياضة التي تتطلب تدريبات مطولة.

برمجة اللاوعي
تقول نظريات العلوم الإنسانية إن اللاوعي يتبرمج من خلال تكرار أفعال يمارسها الإنسان، فالمهارة لا تأتي دفعة واحدة، بل هي مجموعة إضافات متتابعة يتم تخزينها في العقل البشري، تنتج عنها فيما بعد حالة من الممارسة التي تتحول مع مرور الوقت إلى مهارة، إذ إن الممارسة التي لم يتعود عليها الإنسان تكون حالة نشاز بالنسبة له، ولكن بعد التآلف مع المزاولة تتحول الممارسات إلى عادات، «العادة تتكون بالتكرار والممارسة»، ولعلها تعتبر من أهم مكتسبات فترة «منع التجوال»، فهل استفدنا من تلك المكتسبات وتوقفنا عندها كي نواصل استمرارها، ونجد لها معاني مفيدة في حياتنا؟
وكي نكون أكثر دقة في مجتمعاتنا الحديثة، نجد أننا اكتسبنا عادة قضاء المشاوير القريبة منها أو البعيدة من خلال «السيارة»، فلا يمكننا أن نتحرك لمكان يبعد عنا 100 متر، إلا من خلال تشغيل المحركات، واستخدام وسيلة النقل، وهذا ما انعكس على الجيل الجديد، إذ إنه أصبح داخلياً يستنكر وجود أحدٍ ما يمشي في الشارع، بينما أثناء السفر، نجد الشوارع مكتظة بالعابرين، والجميع يستخدم أقدامه في قضاء المسافات، ولنكن أكثر صراحة بأن هذه العادة نجدها في معظم دول العالم، ونفتقدها في منطقتنا.
خلال السنوات العشر الماضية، بدأت العديد من الدول الخليجية تشجيع المشي، من خلال وضع مسارات خاصة للمشّائين، سواء كانوا أفراداً أو جماعات، وبدت بالتشجيع عليها من خلال إدراجها ضمن البرامج التلفزيونية، والفائدة الصحية المرجوة من المشي، ولكن البعض يستعينون بتقنية العصر، وما يحملونه بين أيديهم، والسماعات التي تعتلي رؤوسهم فتشوّش على تفكيرهم وتأملهم، أو انشغالهم بتوثيق تلك اللحظة من خلال الصورة وبثها على وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا ما يتسبب في انشغال حاستي (السمع والنظر) مما يجعلهم يفقدون الإدراك والإحساس، ويفقدون معها لحظة المتعة والتأمل المنشودة من خلال جولة المشي.

فلسفة المشي
ونعود إذن لفلسفة المشي بوجهها الفكري والفلسفي، إذ إن هناك من اعتمدها أسلوب حياة ومنهجاً فكرياً يسير عليه، فلسفة المشي بدأت مع الإغريقيين؛ إذ إنهم كانوا يربطون ما بين الحركة الجسدية وما بين الحركة العقلية، كما أن عدداً من طلاب أرسطو عرفوا بالمشائين، كونهم يعتمدون على الحركة الثنائية أثناء الجدال الفلسفي بينهم، وتركزت أكثر مع «الرواقين» وهم تلامذة أرسطو الذين كانوا يجوبون أروقة الملعب الروماني، فكونوا لهم مدرسة منفصلة عن أكاديمية أفلاطون وأسموها «المدرسة المشّائيّة 335 ق.م».
وهنا يربط الكثير من الفلاسفة ما بين الجسد المتحرك والعقل وما ينتجه من حالة فكرية، ويؤكدون أن المشي لعدة ساعات، حيث يتركون جسدهم في حالة «المشي للمشي» فحينها يذهب كل شيء ليكون مجرد جسد يمشي، إنها الحالة التي يترسب من خلالها كل مشهد جميل داخل جسدك، فيتكون التفاعل الإيجابي ما بين المشاهد الجمالية والجسد، ليذهب فيما بعد إلى منطقة اللاوعي.

فريدريك غروس 
الفيلسوف الفرنسي فريدريك غروس في كتابه «فلسفة المشي» - الصادر باللغة الفرنسية عام 2010، أكد أن المشي ممارسة وليس رياضة، ويقول: «إن التكرار في المشي، يُعطي الدافع لأن ننسى أموراً غير مُهمة، ولكنها تشغلنا، والأفضل نسيانها، والانشغال عنها بالتفكير الإيجابي»، وفي جانب آخر يعتبر بأن المشي «نوع من الصفاء النفسي، الذي يأتي من اتباع درب ما، وهو نوع من العيش لساعات مع النفس». ويؤكد غروس في كتابة أن المشي لا يتطلب تعلماً ولا تقنية خاصة به، وليس بحاجة لأي تجهيزات، كما أنها ممارسة سهلة وفي متناول الجميع يستطيع ممارستها في الأوقات التي يراها مناسبة، ومتطلباتها فقط الإرادة والقدرة البدنية وتحديد الوقت الزمني الذي يمكن أن يكيف كل إنسان نفسه فيه.

«فن المشي»
من فلسفة غروس في المشي، إلى المفكرين العظام الذين كانوا يشعرون بأنه في المشي يستطيعون توليد الأفكار كما يفعل كانط ونيتشه، نجد بأن سوزان فرودربرغ التي كتبت بحثاً عن «فن المشي» نُشر في منصة معنى الفلسفية، تقول فيه إن المشي «يتيح لنا التحرر الذي قد نعيش الحياة بواسطته لذواتنا مجدداً كما يعيشها الطفل تماماً»، وتضيف في جانب آخر من مقالها، قائلة إن «فن المشي لا يتعلق بهدف أو غاية.. فكما أوضح إيمانويل كانط فإنّ ابتداع وتقدير الجمال متمثل في - الغائيّة من دون غاية - ونسجاً على نفس المنوال أقول إنّ حقيقة فن المشي تستحثّها هذه الفكرة: غائيّة لا غاية فيها». ومن هنا، نجد أن الكثير من علماء النفس والاجتماع ينصحون بممارسة المشي الذي يعتبرونه جزءاً أساسياً في حياة الفرد، ومن خلال هذه العادة يستطيع الذهاب إلى الأعماق ويبحر في التخطيط وإيجاد المعنى لحياته، ذلك المعنى المفقود في ظل الحياة الاستهلاكية التي نعيشها في القرن الحادي والعشرين.
ومع الضغوط التي تمر بالإنسانية علينا التخلص منها، وذلك من خلال إطلاق المخيلة و«القدم» في حركة دائمة، ليس لحرق الدهون فقط، بل لحرق الأفكار وإعادة توليدها من خلال طاقة الجسد والعقل.

عادة متأصلة
كل ما نحن بحاجة إليه أن تتحول ممارساتنا للمشي إلى عادة متأصلة فينا، وليست ظرفية تنتهي بانتهاء الظرف الذي وجدت بسببه، ونترك أجسادنا تتسكع في الطرقات الأكثر هدوءاً في مدننا، ونبتعد عن الضجيج من خلال المشي، من دون غاية أو هدف، نترك المخيلة مفتوحة، والفضاء كذلك، بعيداً عن الضجيج الإلكتروني.