زاهرة محمد

لم يكن المرور بتجربة كورونا سهلاً البتة بالنسبة لي، فقد كانت فترة بقائي في العناية المركزة كفيلة بتغيير مفاهيم كانت عالقة في ذهني، وطبعاً فجّرت الكثير من الحسابات الأخرى التي تجعل المرء يتساءل: كم هي هشة هذه الحياة، وغير متوقعة، ومضحكة حد البكاء! وكم بإمكانها أن تتسرب مثل الرمل من بين أصابعنا من دون أن نشعر بها!
في غرفة منعزلة من دون أن ترى أو تُرى، تمرّ عليك ممرضة، تعلق لك أنواع المغذيات، وخافضات الحرارة والعلاجات الأخرى، وليس لديك سوى هاتفك والشبكة العنكبوتية نافذتك على العالم، وما يجري حولك!
كان الخوف الذي يتملكني كبيراً إلى درجة أطالت رحلة شفائي وأخّرته! كيف لا! وأنا أقرأ يوميّاً عن عجز دول متقدمة عن معالجة مرضاها، أو حتى توفير سرير أو علاج! صديقة لي في إحدى الدول المتقدمة كانت تبكي بسبب عدم قبول الدولة التكفّل بعلاجها كونها لاجئة، ولا يحق لها الحصول على الدواء، حتى تكفلت أختها بإيصال الدواء من الإمارات لتلك الدولة. صديقة ثانية في دولة أخرى فقدت أمها بسبب العجز الطبي! قصصٌ عديدة لا مجال لحصرها هنا. كانت تلك الغرفة المربعة المحوطة بالممرضات المتناوبات أعلى أنواع الرفاهية التي من الممكن أن يحصل عليها شخص لا يعرف ما هو مصيره المجهول، وتلك العناية الطبية التي تجعله يشعر بأمل أنه سيكون بين أيادٍ أمينة، ولكن ماذا عن تلك الدول الزوبعة! التي لسنوات أغرت العالم بنظامها الصحي والحياة المثالية فيها، والتي تم استقطاع الأموال لسنوات من أبنائها لضمان مستقبل صحي، وعند أول نكسة! ذهب العمر والمال معاً بسبب شحّ الموارد، وسوء التخطيط للمستقبل؟

الرهان على العقل
البلدان الذكية هي التي اعتمدت على حضارة العقول، وليس الأرض.
لا شك أن الأرض معطاءة وكريمة، ولكن ما نفع أرض خصبة حين يكون العقل متصحّراً؟ أو متحجّراً؟ النهاية محكومة بالفشل الذريع، فكثير من البلدان عانت الانحدار والويلات بسبب العقول المتحجّرة التي أدت بها إلى الهلاك بمختلف الطرق. ولكن حين يراهن القائد على العقل، ويرى في عقول البشر حضارة لا تهلك، بل تنتقل عبر نسلها حتى يصبح نجاحها جزءاً من الشيفرة الجينية للفرد، فلابد أن ينهض بها ويعمرها ويضع لها أساساً تستند إليه بعد أجيال وأجيال. وهو بذلك يشيد حضارة لا تنهار ولا يمكن احتلالها، لأنها غير مرتبطة بالمكان أو الظروف أو الزمان، بل إنها تخلق من الفكرة ألف طريقة للنجاة. 

نعمة الإمارات
إن دولة الإمارات العربية المتحدة هي خير مثال على حضارة العقول، فقد استطاعت في خمسين عاماً فقط -وهي فترة قياسية- بناء وطن متطور من خلال العقول التي كرست على النهج الصحيح، ووجهت لتنهض بأفكارها حين أعطيت الثقة والتمكين والتأهيل الصحيح. وتحولت بذلك الصحراء إلى حضارة لبلد أخذ مرتبة متقدمة بين بلدان العالم، ووصل إلى المريخ أيضاً. إذاً فنحن حين نراهن على الفكر وتطويره، فإن البلدان تعلو بعقول أبنائها، لا بمساحة أراضيها ومواقعها الجغرافية. 
فالجائحة الأخيرة كشفت الكثير من الأوراق، ولا أقول سوى، الحمد لله، على نعمة أننا نعيش على أرض حضارتها مرهونة بالعقول التي تقودها والتي بلاشك تقود شعبها ومن يسكنها إلى بر الأمان، كلما تطلب الأمر.