د. عز الدين عناية

كثيراً ما يفاجَأُ الأوروبيون بدوْر الدين وحجم تأثيره في الفضاء العمومي في الولايات المتحدة. ويبلغ هذا العنصر مستوى لافتاً كلّما اقتربنا من دائرة العمل السياسي. فعلى خلاف التقليد الأوروبي السائد في التعامل مع الدين، كجانب خصوصي خفيّ، يحضر في التقليد الأميركي بوجه جليّ. وعلى هذا الأساس قد نصادف في أوساط الدارسين الأميركيين انشغالاً بالهوية الدينية لساكن البيت الأبيض، يفوق نظراءه في الأوساط الأوروبية.
وكتاب ماسيمو فاجولي الأستاذ في جامعة فيلانوفا بفيلاديلفيا «جو بايدن والكاثوليكية في الولايات المتحدة» (بريتشا - إيطاليا، 2001)، يقدّم شرحاً ضافياً لمعنى انتخاب بايدن الكاثوليكي بالنسبة إلى تاريخ الكاثوليكية الأميركية، ولِما يمكن أن تتمخّض عنه من آثار في الخيارات السياسية للرئيس. حيث يحاول فاجولي فهم أبعاد السيرة الدينية لبايدن، عبر مشواره السياسي، قَبل اعتلاء كرسي الرئاسة وأثناء توليه هذا المنصب.
وبالفعل يمثّل انتخاب جو بايدن حدَثاً دينياً استثنائياً في تاريخ الرئاسة الأميركية، بوصفه ثاني رئيس كاثوليكي بعد سلفه جون كينيدي. ومن هذا الجانب فهو لا ينتمي إلى خطّ ديني بروتستانتي، تقليدي، بل إلى كنيسة غالباً ما صُنِّفت بوصفها مغتربة ومعادية للمشروع الأميركيّ! ولاسيما أنّ تاريخ مناهَضة الكاثوليكية في الولايات المتحدة تاريخ عنيف ودمويّ، وإلى غاية النصف الأول من القرن العشرين، كما يحوصل فاجولي.
وعلى حدّ رصد الكاتب، ثمة عنصر خِلافي يطبع علاقة أميركا بالكنيسة الكاثوليكية، يتمثّل في الموقف من الديمقراطية، بوصفها من الموبقات رفقة الحداثة والاشتراكية والعلمانية، كما لخّصها «إعلان الصلّابو» الصادر عن البابا بيوس التاسع 1864. وكما يرصد المؤلّف، بعد الحرب العالمية الثانية فقط أضحت الكاثوليكية، في المخيال السياسي الأميركي، تضاهي البروتستانتية واليهودية، من ناحية المواقف السياسية والاجتماعية والأخلاقية. بَيْد أنّ عدم الثقة بالكاثوليك تواصل في الواقع حتى بعد 1945، على رغم التحالف المتين الذي أملاه العداء للشيوعية، وأوضاع الحرب الباردة.
وفي تتبّع التمشّي الديني للرئيس الكاثوليكي الراحل كينيدي، يُبرز المؤلف فاجولي أنّ الكاثوليكية قد اتّسمت معه بطابع خصوصي أكثر منها بطابع عمومي، وذلك على خلاف ما هو مألوف في الولايات المتحدة. صحيح أن الرئيس كينيدي واصل التردد على القدّاس بشكل منتظم، ولكنّه أيضاً غيّر بعض مواقفه، مثل تحوير قانون تمويل المدارس الكاثوليكية وإغفال فرضية ممثّلية دبلوماسية في الفاتيكان، وذلك خشية اتهامه بمحاباة الكنيسة الكاثوليكية. ويذكر فاجولي أن العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وحاضرة الفاتيكان لم ترتق إلى أعلى مستوياتها سوى في عام 1984.

الكاثوليكية البيضاء
ويبرز فاجولي أنّ الكاثوليك الأربعة (آل سميث 1928، كنيدي 1961، كيري 2004، بايدن 2021) الذين ترشحوا لمنصب الرئاسة على مدى تاريخ الولايات المتحدة، جميعهم كانوا من «الديمقراطيين» وجميعهم ينتمون تاريخياً إلى المهاجرين الإيرلنديين الكاثوليك. وما ميّز هؤلاء هو انتماؤهم إلى تلك الكاثوليكية الاجتماعية المنادية بتجاوُز الإخلالات الاجتماعية، عبر الدعوة إلى ترسيخ قِيَم التكافل والتآزر باعتماد الخُلق الإنجيليّ.
وبشأن الرئيس بايدن، فهو تاريخياً ينتمي إلى الكاثوليكية البيضاء في أميركا، التي يتشارك معها في العديد من الأمور بشأن العدالة العرقية، وحروب أميركا في الشرق الأوسط، ولكنّ الرجل كما يصفه فاجولي، كاثوليكي ورع وليس متزمّتاً، وكاثوليكيته هي كاثوليكية راشدة وليست متنطّعة. وهو في الحياة العامة، يعكس فكرة أن السياسة مهنة نبيلة، وهي شكل من أشكال الخدمة ورسالة علمانية. ولذلك يؤمن بايدن بأنّ الحياة العامة ليست مسرحاً، وأن الدين ليس مجموعة ضوابط جامدة.
ويقول الكاتب لو شئنا تلخيص سياسة بايدن الدينية لقلنا إنها تتلخّص في الإرث الإشكالي لمجْمَع الفاتيكان الثاني، وفي تبعات خيارات ما يخصّ العدالة الاجتماعية، وفي الأنماط الاقتصادية المتبناة، فضلاً عمّا هو مطروح من قضايا تخصّ البيئة والعلاقة بين الثقافات والأديان.

الكتاب: جو بايدن والكاثوليكية في الولايات المتحدة.
المؤلف: ماسيمو فاجولي.
الناشر: سكولِه (إيطاليا) «باللغة الإيطالية».
سنة النشر: 2021.
عدد الصفحات: 208 ص.