ولدت الأديبة كاميل لورانس ‏Camille Laurens ‬عام ‬1957 ‬في ‬عائلة ‬برجوازية ‬صغيرة ‬في ‬مدينة ديجون الفرنسية‬. ‬والدها ‬طبيب ‬وأمها ‬ربة ‬منزل. وقد ‬فهمت ‬في ‬وقت ‬مبكر ‬جداً، ‬من ‬خلال ‬لغة ‬والديها ‬وتعليمهما، ‬أن ‬وضع ‬الفتيات ‬أدنى ‬من ‬وضع ‬الأولاد، في ذلك الزمن. ‬واستمرت ‬معها هذه ‬التجربة ‬في ‬المدرسة، ‬وفي ‬مكتبة ‬البلدية، ‬حيث ‬تَفرِض ‬لغةُ ‬المعاملة ‬المكانةَ ‬المهيمنة ‬للجنس ‬المذكر‬. وهذا ما تطرحه بجسارة في روايتها «الابنة». وهكذا، في وقت مبكر جداً، شعرت الروائية لورانس، بأن كونها فتاة يعني أن تكون أقل وأدنى! وأنّ هذا الشعور مرتبط بتقاليد الأجيال ولا يزال سارياً، أحياناً، في فرنسا، حيث تقول: من المؤكد أن التغييرات في العقليات والحركة النسوية قد ساعدت إلى حدٍّ بعيد في تجاوز النموذج التقليدي القائم على تفضيل الذكر على حساب الأنثى، ولكن استطلاعاً حديثاً للرأي يُظهر أن آباء المستقبل ما زالوا هم أيضاً، ربما بدافع التقليد، يفضلون بكثير إنجاب الأولاد وفق تحيُّزات جندرية -متعلقة بجنس المولود- شبيهة بالعقلية القديمة.
وقد كان هذا التقليد أكثر عنفاً في الستينيات، عندما ازدهرت النزعة الذكورية والأبوية دون عوائق. ثم استوعبت النساء فكرة التفوق الذكوري، لأن الرجال يتمتعون بامتيازات في القانون. وكلنا نتذكر أن المرأة لم يكن لها حق التصويت حتى عام 1945، ‬كما ‬أنها أيضاً ‬لم ‬تحصل ‬على ‬الحق ‬في ‬التوقيع ‬على ‬شيك مصرفي ‬إلا ‬في ‬عام ‬1965. ‬وكانت النساء ‬إذا ‬أردن ‬العمل، ‬يتعين ‬عليهن ‬الحصول ‬على ‬إذنٍ ‬من ‬أزواجهن. ‬كما كشفت ‬سيمون ‬دي ‬بوفوار ‬ذلك ‬بوضوح ‬في ‬عملها «الجنس‭ ‬الآخر» (‬The Second Sex)‬، ف‬نحن ‬فتيات «‬بشكل ‬افتراضي»‬. و‬أن ‬تولد ‬الفتاة ‬فتاةً فذلك ‬يعني ‬أن ‬تكون ‬مجرد ‬فتاة وأن تقبل التحيُّزات الجندرية السلبية. ‬والمرجع القيمي في كل ذلك هو الثقافة القديمة.

قانون الصمت!
وفي طفولتها، تكتشف الروائية الصمت الذي تفرضه النساء الأخريات في الأسرة عندما يكنّ ضحية لتعديّات، فتقول: نعم، ففي كلمة ‏omerta (‬قانون ‬الصمت) ‬توجد ‬كلمة ‬موت (‬mort) ‬-موت ‬الفتاة ‬النفساني! و‬لكن ‬هذا ‬الأمر ‬الضمني، أو العلني، بالسكوت ‬نتج ‬أيضاً ‬عن ‬النظام ‬الأبوي ‬نفسه وفكرة ‬أن ‬الرجال ‬لديهم «‬أعذار» ‬لسلوكهم الذي قد يوصف أحياناً بأنه عدواني ‬ل‬دوافع ‬متأصلة ‬في الثقافة ‬الذكورية! ‬وبعد ‬ذلك ‬تصبح ‬الأسرة، ‬في ‬حالة حدوث ‬أية تعدّيات، ‬مجتمعاً ‬صغيراً ‬يصدر ‬أحكامه ‬الخاصة، ‬ويسنّ ‬قانونه ‬الداخلي، الذي هو قانون أو عرف متوافق مع عقلية التفاوت الجندري. ‬
وهناك موضوع آخر ذو صلة أيضاً بقضية الجندر، يتعلق بطريقة تعامل بعض الأطباء الذكور مع النساء، تناولتها الرواية من خلال قصة ولادة درامية: «تبدأ الإساءة أثناء الاستشارات، عندما شعرت المريضة بالازدراء وتجريدها من الإنسانية.. ومن غير الوارد، بالتأكيد، توجيه نقد جنساني في هذا المقام».

هدية الحرية
وعن رأيها في تطور مكانة المرأة في المجتمع الفرنسي خلال العقود الماضية تقول الكاتبة، إن هناك تطوراً هائلاً قد حدث، بكل تأكيد، أولاً مع حركة تحرير المرأة في السبعينيات، ثم مع رواج «أنا أيضاً» ‏MeToo (‬هاشتاج ‬ظهر ‬في ‬2017 ‬لإدانة ‬واستنكار الاعتداء والتحرش‭ ‬الجنسي‭(‬. ‬فجسارة كلمة المرأة ‬تتعزز ‬والقانون ‬يأخذها ‬في ‬الاعتبار. ‬ومع ‬ذلك، ‬فتحديات حقوق النساء ‬لا ‬تزال قائمة. ولذا يتعين ‬أن ‬يشارك ‬الرجال أيضاً في هذا الجهد ‬بدلاً ‬من ‬أن ‬يظل بعضهم متوجسين.
و«الابنة» الأخرى في الرواية هي ألِيسْ، ابنة لورانس. وبالنسبة لها، فكونها فتاة يعني، ببساطة، أن تكون كذلك، وأن تتصرف بمقتضاه. ولكن، هل ستكون حرية أليسْ انعكاساً لتحرر وانتصار لورانس؟ تقول الأديبة: نعم، هكذا بَنيتُ تطور سرد الرواية. فحرمان الأم لورانس، وطفولتها القسرية والمسيئة تجد نوعاً من الخلاص الرائع في حرية ابنتها، خارج ضغوط النوع. إنها رحلة صعبة، رحلة تدرُّب تنقلب فيها الأدوار بين الأجيال: الأم هي التي تتلقى هدية الحرية التي نقلتها ابنتُها إليها.