ترجمة: خالد البدور

على الرغم من أن لغتها الشعرية تتمحور حول البساطة، إلا أن شعر الشاعرة البولندية ڤيسوافا شيمبورسكا، الحائزة نوبل للآداب عام 1996، كان عميقاً وقادراً على معالجة التعقيدات الجوهرية للواقع من خلال تبني منظور غير عادي. وغالباً ما لاحظ قراء شعر شيمبورسكا بساطته الفكاهية والسخرية والمخادعة. فشعرها يفحص التفاصيل، ويقدمها أمام خلفية التاريخ. 
وكثيراً ما استخدمت شيمبورسكا أدوات أدبية مثل الدقة مع السخرية، والتناقض، والبساطة، لأجل إلقاء الضوء على الموضوعات والهواجس الفلسفية. وتعرض العديد من قصائدها، بمواربة ذكية، أجواء الحروب والإرهاب. ومع ذلك، من المهم ملاحظة الغموض في شعرها. وعلى رغم أن شعرها تأثر بتجاربها، إلا أنه وثيق الصلة بالزمن والثقافة الحاضرة. فقد كتبت من وجهات نظر غير عادية، مثل قطة في شقة فارغة حديثاً لمالكها الميت. وترتكز سمعة هذه الشاعرة على مجموعة صغيرة نسبياً من الأعمال، ما يقارب 250 قصيدة. وعندما سُئلت عن سبب نشرها عدداً قليلاً من القصائد، قالت: لديّ سلة مهملات في منزلي.

لقد نقلت لغتها صراع الشاعرة مع النظام الشيوعي وبولندا القرن العشرين، ما أدى، في النهاية، إلى تصوير مؤثر للنضال من أجل المشاركة في المجتمع المدني في بلادها. ولذلك قالت ذات مرة: «إن قصائدي ليست سياسية تماماً، بل إنها تتعلق أكثر بالحياة والناس». كما قالت شيمبورسكا عن نفسها في قصيدة «في مديح الأحلام»:
أنا، لكنني لا أحتاج 
أن أكون طفلة لزمني.
وامتثالاً لشغفها بـ«الحياة العادية» و«المسار العادي للأحداث»، يمكنك مصادفة العديد من المباني والأماكن في مدينة كراكوف التي كانت ترتادها. بل إن تأثيرها على المدينة، بعد فوزها بجائزة نوبل للآداب، يشبه إلى حد كبير تأثير المدينة على شعرها: المثابرة، مع الاندماج في العناصر المحيطة بها، بالإضافة إلى لمسة فريدة من الخفَّة والسخرية.
وبالنسبة لمعظم المعجبين بالحنين إلى مدينة «كراكوف الأدبية»، من الممكن زيارة قبر الشاعرة في مقبرة راكويكي. وهو بسيط ولكنه مؤثر وجميل، وكما كان الكثير من شعرها، غالباً ما تتم تغطية القبر بالزهور والرسائل من أعز قرائها. 
كانت «كراكوف»، ولا تزال، واحدة من المدن التي اعتبرت مهداً للأدب في أوروبا الوسطى. إذ يخلق جوها الفريد وبيئتها الأدبية مدينة نابضة بالحياة وفي ذات الوقت متأصلة في النفس، ولا يمكن تجربتها بالكامل إلا من خلال الضياع في متاهة الشوارع التي أنجبت العديد من المهن الأدبية الرائعة.

الفلسفة الكامنة
يقول الكاتب ستانيسلاف بارانكزاك: «الحالة النموذجية الغنائية التي تأسست عليها قصيدة شيمبوريسكا هي المواجهة بين الرأي المعلن أو الضمني حول قضية ما، والسؤال الذي يثير الشك حول مدى صحة ذلك الرأي. فالرأي لا يعكس فقط بعض المعتقدات المشتركة على نطاق واسع أو يمثل بعض العقلية المنتشرة، ولكنه أيضاً، كقاعدة، له نطاق عقائدي: تلك الفلسفة الكامنة وراءه عادة ما تكون تخمينية، مناهضة للتجربة العملية، وعرضة للتعميمات المتسرعة، الجماعية، والعقائدية غير المتسامحة».
وتعبِّر إحدى القارئات المعجبات بالشاعرة عن قصيدة «تحت نجمة صغيرة واحدة» بأن هذه القصيدة تجعلنا نقترب من فحص عيوبنا المتصورة عن أنفسنا. وتقول إنها: «شعرت بعلاقة حقيقية بين هذه القصيدة وبين ما مررت به في حياتي عندما قرأتها.. إنها قابلة للتطبيق على لحظات في حياتي حيث كنت أعتبر نفسي مخطئة في أصغر الأشياء والمشكلات والتي كان أكثرها غير مباشر. أتصور أنه ينبغي على الجميع قراءة هذه القصيدة، فبلاشك، يشعر الجميع بذلك الشعور في مرحلة ما من حياتهم.. هل يمكن أن تكون الثيمة العامة لهذه القصيدة هي حقيقة كل شخص يعيش على الأرض، وكل المشاكل التي نواجهها، والأسئلة التي نفكر فيها، وكل الصراعات الشخصية التي نخوضها داخل أنفسنا؟».

سيرة الشاعرة
شيمبورسكا شاعرة وكاتبة مقالات ومترجمة بولندية. وصفت بأنها موزارت الشعر. وفي بولندا، وصلت كتبها إلى مبيعات تنافس مؤلفي النثر البارزين: على الرغم من أنها لاحظت ذات مرة أن ما لا يزيد عن اثنين من كل ألف شخص يهتمون بالفنون. وقد نشرت قصيدتها الأولى «البحث عن الكلمات» في عام 1945 في صحيفة يومية معروفة، واستمرت في نشر قصائدها في مختلف الصحف والدوريات لعدد من السنوات.
وقد حازت شيمبورسكا جائزة نوبل في الأدب عن «الشعر الذي يسمح بدقة ساخرة للسياق التاريخي والبيولوجي بالظهور في صورة تشرذمات بشرية». وأصبحت معروفة دولياً نتيجة لذلك، وتُرجمت أعمالها إلى الإنجليزية، والعديد من اللغات الأوروبية الأخرى، وكذلك إلى العربية والعبرية واليابانية والصينية. كما حازت جوائز عديدة أخرى. 
نشرت الشاعرة 13 مجموعة شعرية، من بينها: «لهذا نحن أحياء»، و«مساءلة ذاتك»، و«ملح»، و«لا نهاية للبهجة»، و«أناس على الجسر»، و«النهاية والبداية»، و«لحظة»، و«هنا»، بالإضافة إلى مجموعة غير مكتملة عنوانها «كفى» نشرت بعد وفاتها.
توفيت الشاعرة في 1 فبراير 2012 في منزلها في كراكوف، عن عمر ناهز 88 عاماً.

الحب الحقيقي
الحب الحقيقي. أهو طبيعي، 
أهو جادٌّ، أهو عمليّ؟
ماذا سيحصل عليه العالم من شخصين
يعيشان عالمهما الخاص؟
هو يوضع على نفس القاعدة بلا سبب وجيه، 
مأخوذ عشوائياًً من الملايين، لكنها مقتنعة
كان يجب أن يحدث بهذه الطريقة -كمكافأة على ماذا؟
لا لشيء.
الضوء يهبط من العدم.
لماذا على هذين وليس على الآخرين؟
أليست هذه فظاعة «العدالة»؟ نعم إنها كذلك.
ألا تخل بمبادئنا التي نصبناها بشق الأنفس، 
ويُلقي الأخلاقي من الذروة؟ نعم في كلتا الحالتين.
انظُر إلى الزوجين السعداء.
ألا يمكنهم على الأقل محاولة إخفاء ذلك، 
ادعاء بعض الاكتئاب لأجل أصدقائهم؟
استمع إليهم وهم يضحكون -هذه إهانة.
اللغة التي يستخدمونها -واضحة بشكل مخادع.
واحتفالاتهم الصغيرة، وطقوسهم، 
العادات المتبادلة
من الواضح أنها مؤامرة وراء ظهر الجنس البشري!
صعب حتى تخمين المدى الذي قد تصل إليه الأمور
إذا بدأ الناس في اتباع مِثالهم.
ما الذي يمكن أن يعتمد عليه الدِّين والشِّعر؟
ماذا سوف نتذكر؟ عمَّ سنتخلى؟
من يرغب البقاء ضمن الحدود؟
الحب الحقيقي. أهو حقاً ضروري؟
تخبرنا اللباقة والفطرة السليمة أن نتجاوزه بصمت، 
كفضيحة في أقصى مدارات الحياة!
أطفال جيدون يولدون دون مساعدته.

ملحوظة «شكر»
دع الناس ممَّن لم يجدوا الحب الحقيقي
يقولون إنه لا يوجد شيء اسمه الحب.
إيمانهم سيسهل عليهم العيش والموت.
تحت نجمة صغيرة واحدة
أعتذر للصدفة إذ أصفها كضرورة.
أعتذر للضرورة إن كنتُ مخطئة، بعد كل شيء.
من فضلك، لا تغضبي، أيتها السعادة، لأنني أعتبرك من واجبي.
ليكن موتاي صبورين لطريقة تلاشى ذكرياتي.
أعتذر للزمن لأجل كل العالم الذي أتغاضى عنه في كل ثانية.
أعتذر للحب القديم لإيماني أن الأحدث هو الأول.
اغفري لي، أيتها الحروب البعيدة، لجلبي الزهور إلى المنزل.
اغفري لي، أيتها الجروح المفتوحة، لوخزي إصبعي.
أعتذر لسجلِّي من الدقائق لمن يبكون من الأعماق.
أعتذر لأولئك الذين ينتظرون في محطات القطارات لأنهم ناموا اليوم الساعة الخامسة صباحاً.
عفواً، أيها الأمل المُطارد، للضحك من وقت لآخر.
اعذريني أيتها الصحاري لأني لا أهرع إليك حاملة ملعقة من الماء.
وأنت، أيها الصقر، الذي لا يتغير عاماً بعد عام، دائماً في نفس القفص، 
تحديقتك الثابتة دائماً على ذات النقطة في الفضاء، 
سامحني، حتى لو تبيّن أنك محشو.
أعتذر للشجرة المقطوعة لأجل الطاولة ذات الأرجل الأربعة.
أعتذر للأسئلة الكبرى بسبب الإجابات الصغيرة.
أيتها الحقيقة، من فضلك لا تهتمِّي بي كثيراً.
أيتها الكرامة أرجوك أن تكوني رحيمة.
تحمَّل معي، يا لغز الوجود، بينما أقطف الخيط العرضي من قطارك.
أيتها الروح، لا تشعري بالإهانة لأنني أجدك فقط بين الحين والآخر.
أعتذر لكل شيء، إذ لا يمكنني أن أكون في كل مكان في ذات الوقت.
أعتذر للجميع أنني لا أستطيع أن أكون كل امرأة وكل رجل.
أعلم أنني دون مبرر طالما عشت، 
لأنِّي أنا بنفسي أعترض طريقي.
لا تحمل سوء نية ضدِّي، أيها الكلام، لأنني أستعير كلمات ثقيلة، 
وأعمل كل جهدي لتبدو خفيفة.

ملحوظة «شكر»

أنا مدينة بالكثير
لأولئك الذين لا أحبهم.
تلك الراحة في التقبل
وهم أقرب لي من الآخرين.
بهجة أنني لست الذئب لأغنامهم.
ليكون سلامي إليهم
لأني معهم أكون حرَّة، 
وهذا، لا يمكن للحب أن يمنحه
ولا يعرف كيف يسلبه منك.
لا أنتظرهم
من النافذة أو من الباب.
لكأنني مريضة
مثل قرص الشمس، 
أفهم
ما لا يفهمه الحب.
وأسامح
ذلك الذي لا يمكن للحب أن يغفره.
بين موعد وحرف
لا تمرُّ الأبدية، 
ليست سوى بضعة أيام أو أسابيع.
رحلاتي معهم دائماً ما تصبح جيدة.
حفلاتٌ تُسمع.
تجوالٌ في الكاتدرائيات.
ومناظر طبيعية مميزة.
وحين تصبح بيننا سبعة أنهار وجبال
هي أنهار وجبال
معروفة في أي خريطة.
إنه الامتنان لهم
فبفضلهم أعيش في أبعاد ثلاثة، 
في فضاء غير غنائي وغير بلاغي، 
مع أفق متغير، وبالتالي حقيقي.
إنهم لا يعرفون حتى
كم يحملون في أياديهم الفارغة.
«أنا لا أدين لهم بأي شيء»، 
قال الحب
عن هذا الموضوع المفتوح.
بضع كلمات عن الروح
لدينا، بعض الأحيان، روح.
لا أحد يملكها باستمرار، 
لكي تبقى.
يوم بعد يوم، 
سنة بعد سنة
قد تمر بدونها.

***
أنا قريبة جداً منه...
أنا قريبة جداً منه ليمكنه أن يحلُمَ بي.
أنا لا أطير فوقه ولا أهرب منه
تحت جذور الأشجار. أنا قريبة جداً.
لا تغنِّي السمكة بصوتي في الشبكة.
وليس بسبب إصبعي يلُفُّ الخاتم.
أنا قريبة جداً. منزل كبير يحترق
دون أن أنادي للمساعدة. قريبة جداً
من جرس يتدلى من شعري ليَرن.
قريبة جداً مني لأدخل كضيفة
أمامها تنشق الجدران.
لن أموت مرة أخرى بهذه السهولة، 
بعيدة جداً عن الجسد، عن غير قصد
مثل ذات مرَّة في حلمه. أنا قريبة جداً، 
قريبة جداً -أسمع الهسهسة
وأرى القشرة المتلألئة لتلك الكلمة. هو ينام، 
متوفر أكثر في هذه اللحظة
لسيدة تذاكر السيرك ذي الأسد الواحد
شوهد ولكن مرة واحدة في حياته
أكثر منِّي مستلقية بجانبه.
الآن يكبُر لها وادٍ فيه، 
مغلق بجبل ثلجي
في الهواء اللازوردي. أنا قريبة جداً
لأسقط من السماء لأجله. صراخي
قد يوقظه فقط. مسكينة أنا، 
محدودة بشكلي، 
لكنني كنت شجرة البتولا، كنت سحلية، 
خرجت من نسيج حريري ومزولة شمسية
تتلألأ بشرتي بألوان مختلفة. امتلكت
نعمة الاختفاء عن العيون المندهشة، 
هذه هي ثروة الرجل الغني. أنا قريبة جداً، 
قريبة جداً منه ليمكنه أن يحلم بي.
أستلُّ ذراعي من تحت رأسه النائم.
خدرٌ ومليء بالدبابيس والإبر الخيالية.