أحمد حميدة

لقد ساهمت التّكنولوجيّات الرّقميّة الحديثة في مضاعفة الرّوابط بين البشر، وترسيخ أواصر القربى بينهم، غير أنّها ساهمت أيضاً في ذات الوقت في تشكيل نرسيس حديث متقبّض على ذاته، مرتبط مشيميّاً بهاتفه الذكيّ وحبيس نظرة الآخرين إليه. فأنّى لهذا الإنسان الذي غدا متقوقعاً في أوهام رقميّة مغرية، التخلّص من صورته المشوّهة، تلك التي باتت تتلبّسه وتسلمه مكتوفاً لرغائبه ونزواته؟
تفيد الأسطورة التي تضرب بجذورها في الماضي السّحيق للحضارة الإغريقيّة الرّومانيّة، أنّ نرسيس حين كبر وبلغ سنّ الرّشد، جمع في شخصه بين جمال خَلْقيّ استثنائيّ وطبعٍ مترفّع أَنُوف كان يجعله يتأبّى على أكثر المعجبات به حسناً وإغواء، وكم كنّ كثيرات! وذات يوم، وفيما كان يروي عطشه من نبع صافٍ، لمح خياله المشرق على سطح الماء وانذهل حدّ الافتتان بما كان ينبعث منه من جلال وسناء! وظلّ على هذه الحال أيّاماً عديدة بلياليها يتأمّل ذاته مندهشاً، ومنتهباً لليأس لعجزه عن الظّفر بتلك الصّورة بالغة البهاء. وشيئاً فشيئاً، انكتمت أنفاسه ودبّ الفناء في أوصاله وكان مآله الاضمحلال والامّحاء. وتقول الأسطورة إنّه حتّى بعد موته ظلّ نرسيس يبحث عن ملمحه في مياه نبع ستيكس. وها إنّ التّكنولوجيّات الرّقميّة اليوم (الحواسيب والهواتف الذكيّة وقنوات التّواصل الاجتماعي) تعمل على إعادة خلق نرسيس جديد، وبناء مجتمعات لا مكان فيها لغير النّرجسيّة وتعشُّق الذّات.
تعود بدايات النّرجسيّة وتطوّرها إلى فترة اقتحام المرآة الفضاءات العائليّة، وكانت المرايا في القرن التّاسع عشر من تلك المقتنيات النادرة والباهظة الثّمن، التي لا يحظى بامتلاكها غير بعض أصحاب الوجاهة من الملوك والنبلاء، ولكنّها سرعان ما اكتسحت البيوت والحمّامات وحجرات تغيير الملابس.. بشكل موازٍ لتفشّي ظاهرة التأنّق والغنج في المجتمع، وبفعل الميل المتزايد للطّبقات الموسرة إلى البروز في أعين النّاس بمظهر يشي بالرّفاه ويسرُّ الحال، وإلى شغفها بمسايرة أساليب اللّباس المبتكرة، فيما ساهم بروز آلة «كوداكْ» سنة 1888 في انتشار سريع لفنّ التّصوير، فباتت تلك العائلات تنزع حينها إلى تجميع الصّور وحفظها في دفاتر خاصّة (الألبومات) لإبراز ما كانت تتمتع به من سعادة وطيب معاش. 
وظلّت الصّورة هكذا، وإلى غاية الخمسينيات من القرن العشرين، وسيلة لجلب أنظار الآخرين واستقطاب انتباههم. وكان فنّ التّصوير قد ساعد في تلك الأثناء على ملامسة أعمق لطبيعة الإنسان، فبرز الميل إلى تشخيص الأفراد بملامح قوامها الرّصانة والوقار، وفي هيئات خالية من كلّ ابتسامة وموحية بقدر كبير على التحكّم في الذّات. ثمّ جاء عصر السّينما والتلفزيون، وتغيّرت الأبعاد الإيحائيّة للصّورة، وتزايد الحرص على تقديم إنسان باسم ومفصح عن مشاعر رشيقة، وإن كانت تلك المشاعر خادعة ومصطنعة في أغلب الأحيان. وتلك عادات ستزداد تفاقماً بظهور «السّمايليه» (صورة بيانيّة مركّبة من خليط من الرّموز وتنبؤ عن مزاج صاحبها).

الهاتف الذكيّ وتضخّم الأنا
ولم يكن حبّ الذّات بالظّاهرة الجديدة أو المستحدثة في العصر الحديث، فكلّ الفلاسفة القدامى، وبصورة عامّة حكماء الشّرق والغرب، كانوا قد أثاروا تلك المسألة بوصفها علامة من علامات تماهي الإنسان، بصورة واعية أو غير واعية، مع صورة نرسيس.
ثمّ غدا هذا النّرسيس مفتوناً بانعكاسات صورته في شاشات العرض: انعكاسات «السّيلفي» الخاصّ به أو الصّور المنبثقة منه، أو صورته المبثوثة هنا وهناك في الشّبكات الاجتماعيّة.. لتزيد تلك الوسائط في تفاقم تشبّثه بصورته الخاصّة تلك، وتضاعف من حاجته إلى الظّفر باستحسان المتابعين لها عبر عدد كبير من «اللّايكات» (ملاحظات استحسان لتلك الصّور). والخطير في الأمر أنّ تلك «اللّايكات» وما يرافقها من تعليقات، لم تكن لتوظّف في سياق الحرص على إبراز الحقيقة، وإنّما لتنمية النّزعة الذّاتيّة للفرد والعزف على وتر أناه الذّاتيّة وتضخيم أحاسيسه السّطحيّة: نحن حينئذ بصدد زمن جديداً في مجال توظيف الصّورة قد ندعوه بزمن «ما وراء الحقيقة».
كما تستحثّنا الشّبكات الاجتماعيّة كيما نعرض آراءنا ومواقفنا: أن نطلق العنان لغضبنا.. أن نفصح عن مواقفنا بلا تحفّظ ودونما تورّط أو تحمّل لنتائج تلك المواقف. وغالباً ما تفصح تلك الآراء والمواقف عن حالات تنفيس ذاتيّ سهل، يغدو المرء وفقها حبيس فقاعة آرائه، طالما أن لا شيء يكتسي أهمية لديه غير قناعاته هو الخاصّة. فكأنّنا به، من منطلق إحساسه المفرط بذاته، قد غدا بالغ الصّمم، مخاطباً ذاته وغير مستسيغ لغير آرائه. ويولّد فيه كلّ ذلك الإحساس بأنّه بات يتمتّع بقدرة مطلقة تمكّنه من الوصول إلى «كلّ» المعلومات، وأنّه يمتلك القدرة على إنتاج ونشر آرائه بصورة لا حدّ لها.

الإفلات من العزلة
ويساعد استخدام الهواتف الذكيّة أيضاً على ملء الفراغ، ومحو الإحساس بالعزلة والضّجر، فلا إحساس بحالات الفراغ المقضّاة في قاعات الانتظار أو في المصاعد الآليّة أو في الازدحام المروري.. لأنّ تلك الأوقات باتت تملؤها نشرات الأخبار والرّسائل الإلكترونيّة والتماس المعلومات على اختلافها وتنوّعها، بمجرّد الضّغط على زرّ إلكترونيّ.
وليس في الإمكان في نظر الفلاسفة القدامى التخلّص من العزلة التي أحياناً ما تكون مسعفة للإنسان، إذ هي تساعده على استرداد ذاته والدّخول في حوار مع نفسه، فتتيسّر له بذلك سبل الخلق والإبداع. وفي المقابل، فإنّ القوانين التي تنتجها الثّورة الرّقميّة التي غدت تتحكّم في الثّقافة الغربيّة، غالباً ما تحمل الأفراد على الاعتقاد بضرورة الإفلات من العزلة، والنّظر إليها بوصفها علامة إخفاق يكون بالإمكان تداركها بفضل الاستخدام المكثّف للحواسيب والهواتف الذكيّة.

تعطيل الوعي الباطن 
ويرى المراقبون أنّ الاستعمال المشطّ للتّكنولوجيّات الحديثة من شأنه أن يعطّل الوعي الباطن للإنسان، ذلك الوعي الذي لا مجال لملامسته إلاّ عبر حالات الصّمت والهدوء والعزلة، وفي غياب تلك الحالات قد ينجرّ المرء قسراً نحو حالات خطيرة من الإحساس بالوحدة. وكانت الفيلسوفة حنّا آرندت قد بيّنت أنّ ذلك الإحساس بالوحدة هو جزء لا يتجزّأ من نظام «استبداديّ» ذهني يتحكّم في الأفراد وفي حريّة إرادتهم وقدرتهم على الاختيار. ولذا ترانا اليوم نرزح تحت كلكل استبداد ذهني يبدو لنا في ظاهره «ناعماً» لأنّه يستجيب لرغائبنا، ويملأ فراغاتنا وإحساسنا بالسّأم. وواقع الحال أنّنا قد غدونا مكتسحين بهواتفنا وشاشاتنا، التي سرعان ما تنطّ أمامنا، بمجرّد استشعارنا لحالات الإحساس بالسّأم والضّجر.
وكم تبدو تلك الأدوات التي تتيحها لنا التّكنولوجيّة الحديثة صغيرة، ولكن كم إنّ سطوتها خطيرة ومتلفة لحياة البشر! ويقيناً إنّها تتيح لنا رؤية صور رائعة، ولكن من الأهمية بمكان أيضاً أن نسعى نحن إلى إنتاج تلك الصّور المولّدة لدهشة خاصّة بنا، دون أيّ تحفيز خارجيّ، وأنّ نصوّب نظرنا، لا على الشاشات التي تبدعها تلك الوسائط، وإنّما على العالم الذي يحيط بنا، وأن نكون في تعاطينا معه بحال اليقظة.

سطحيّون ومسلوبو الإرادة
ما انفكّ جيمس ويليام، الذي كان شريكاً مؤسّساً لشركة غوغل قبل أن يغادرها، يتّهم الشّبكات الاجتماعيّة بخلقها لمنظومة عقائد افتراضيّة لا تتوقّف عن تجريد الإنسان من إنسانيّته. بل يؤكّد أنّه طالما كنّا معلّقين بهواتفنا ومتشبّثين بالصّورة التي يرسلها لنا الآخرون عن أنفسنا، فسنظلّ لا محالة مهوسين بذات متزامنة تتداخل فيها الأنا الظّرفيّة بالأنا السّطحيّة، عوض تشبّثنا بالأنا الزّمانيّة التطوّريّة (الأنا العميقة التي تتشكّل على نسق بطيء عبر الزّمن)، فـ«نغدو هكذا منشغلين أكثر بالحالة الآنيّة التي نمرّ بها أكثر من انشغالنا بصيرورتنا. كما نكون قد أسلمنا إرادتنا للهاتف الذكيّ وللخوارزميات والآلات التي باتت تتملّكنا، عوض أن نكون نحن المالكين لها. فأذواقنا وطبائعنا وقراراتنا ومواقفنا التي غالباً ما تكون نتاج أسلوبنا في التّعاطي معها، ستتركنا بلا إرادة وعاجزين عن بناء فكر خاصّ بنا. فلكأنّ الزّمن الذي نقضّيه في التّفاعل مع تلك الوسائط يحوّل صورتنا رغماً عنّا إلى مرآة خادعة تتلاشى على سطحها حقيقة ماهيتنا». 
ويردف جيمس ويليام قائلاً: «نحن ندفع كلّ يوم ثمن ذلك الزّمن الضّائع بالسّعي وراء غايات لا نتوفّق في متابعتها وأشياء لا يتيسّر لنا تحقيقها، والتي كان بإمكاننا تداركها لو قمنا بتوظيف الزّمن توظيفاً آخر يعود بنا إلى حقيقتنا. ويخلص ويليام إلى القول: «ينبغي لنا حينئذ مقاومة تلك الوسائط كيما نستردّ إرادتنا وحرّيتنا في بناء مصائرنا».
لقد أخفقت الثّورة الرّقميّة في تحقيق وعودها بالحريّة الفرديّة والسّلم الاجتماعيّ إخفاقاً بيّناً ومتكرّراً، والخلاصة التي قد ننتهي إليها هي أنّه لا بديل للفرد عن الارتهان لذاته ولرؤيته الخاصّة للوجود وللأشياء، وطالما أنّ المواقف الذّاتيّة تتساوى من حيث سلبيّاتها، فسيكون الإحساس بالعزلة أشدّ وطأة متى أسلم الإنسان قياده لمشيئة وإملاءات تلك الثّورة الرقميّة. والحقيقة التي تبقى بحاجة إلى التّأكيد، هي أنّ تقوقع الفرد في فقاعة آرائه لا يمكن إلاّ أن يزيد في إنتاج مجتمع مختلّ الأركان تحكمه عزلة معمّمة. 
وقد نضطرّ في النّهاية إلى التّعايش مع ذلك الإنسان «المستبدّ» الذي لا مرجعيّة لديه غير ذاته، ذلك الكائن المسرف في توهّمه، الذي تعطّلت ملكاته عن طلب المعرفة، واستبدّت به تلك الطمأنينة إلى ما يستشعره بصورة نزَويّة دونما تدبّر أو إعمال للرّأي، ولكنّنا سنكون بذلك قد ابتعدنا عن كلّ ما هو ملهم للرّوح، حافز إلى الحياة الجماعيّة، وعن كلّ تمشٍّ عقلانيّ في مجال الإحاطة بماهيتنا وجوهر حقيقتنا.