إبراهيم الملا

«عنّي نِهَيْ مضنوني /‏‏ وأسهر نظير عيوني
تمّيت أنا ممحوني /‏‏ شفني دريج الحال
في داعة الله خِلّي/‏‏ راعي اليديل الثِلّي
أدعي له يوم أصلّي /‏‏ في الحلّ والترحال»

يصحبنا الشاعر الكبير «حمد بن سوقات» في قصيدته الغزلية هذه نحو تفاصيل غربته الذاتية، إثر معاناته من آلام التخلّي والهجران، فهو لا يطيق البعد، ولا يقوى على الجنوح المفرط من قبل محبوبه، مؤكداً أن تبعات هذا الجنوح أصبحت موغلة في جسده وجوارحه، وبات أثرها واضحاً في السهر والتفكّر والحيرة والحرمان، «تمّيت أنا ممحوني /‏‏ شفني دريج الحال»، ورغم ذلك نرى أن ردة فعل الشاعر كانت بخلاف مصابه النفسي وتكاليف الجسدية، فهو يدعو لمحبوبه بالخير ويذكر محاسنه ويرجو في حلّه وترحاله ألا يصيب محبوبه أي مكروه، وهو أمر يدعونا لاستنباط خصال الشاعر الكريمة، واكتشاف جمال روحه، ومعاينة الأريحية التي يتمتّع بها، والتي تسبغ عليه الوقار وتمنحه الصبر والجلَد والهدأة الداخلية.

يكمل «بن سوقات» قصيدته الغزلية، قائلاً:
ساروا وأنا خلّوني/‏‏ ابحسرتي مغبوني
الله يكون بعوني /‏‏ دمعي جرى همّال
أصفج على الراحاتي /‏‏ وأردّد الونّاتي
يا مصيبتي ما باتي /‏‏ طول الهجر غربال
نومي عِداها عيوني /‏‏ على هجر مضنوني
ما أبيّح المكنوني /‏‏ لو تلحقني اعذال»

يسترسل شاعرنا هنا في وصف انكساراته، ويصدّرها للمتلقي فيما يشبه السلوى والمشاركة الحسّية مع عموم المحبين المبتلين باللوعة والفراق، مكرّراً صدى الأنين وسط مفرداته المتدافعة والمضطرمة، مستقبلاً رجع الأذى وسط أوزان شعره وقوافيه، ناثراً إبداعه على جروح يصبو لشفائها، ومجسّداً كل هذا الحطام العاطفي في إشاراته وإيماءاته المترجمة بصدق وبعفوية بالغة ما يمور في حشاياه وما يتطاحن في مداركه الخافية عن الناس، «أصفج على الراحاتي /‏‏ وأردّد الونّاتي)، (نومي عداها عيوني /‏‏ على هجر مضنوني) مؤكداً في خاتمة قصيدته على قوة عزيمته وصبره على بلواه رغم كل المجريات المضادة لمطلبه ولشوق هواه، رافضاً البوح بمكنونه وسرّ معاناته، المتمثّل هنا في اسم هذا المحبوب، وتفاصيل العشق المتداخلة بينهما، وهو أمر له صعوبته وكلفته، إلّا أن الشاعر يرفض الإعلان عنه بشكل يسلب من قصيدته جانبها العذريّ، المحاط بالكتمان والستر والتورية.

اللقب
يأتي لقب «بن سوقات» إثر قصة عاشها جدّ الشاعر من والده - حمد بن خلفان - وكان هو بطلها في الأساس، حيث اكتشف في إحدى رحلاته للغوص مكاناً يزخر بمحار اللؤلؤ، والتي تمّ تسميتها لاحقاً بـ «نيوت خلفان»، وكان يأتي منها بحصيلة وافرة من اللؤلؤ، الأمر الذي لفت أنظار الأهالي في منطقة جميرا بدبي، وكانوا يقولون: «حمد بن خلفان يسوق كل ها السوقات»، أي يأتي بما لم يقدر الآخرون الإتيان به، إشارة إلى وفرة ما كان يجلبه من لؤلؤ مقارنة بغيره من النواخذة والغاصة، فسمي منذ تلك الحادثة «بن سوقات»، فصار اسماً لصيقاً بعائلته إلى اليوم.
وكما يرد في مقدمة «ديوان بن سوقات» - جمع وتحقيق الدكتور راشد أحمد المزروعي - فقد ترعرع شاعرنا في دبي وديرة، وكان قريباً من شيوخ دبي منذ صباه، وتعلّم في المدرسة الأحمدية في بداية إنشائها، رفقة زملائه من الجيل القديم، وعندما كبر حمد بن سوقات رافق الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي الأسبق - رحمه الله - ولم يفارقه حتى وفاة الشيخ راشد عام 1990م كما كان مقرباً من الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّب الله ثراه - وكان نديمه في الشعر، إذ جرت بنيهما العديد من القصائد المتبادلة واللافتة التي أثرت المشهد الشعري المحلي، وتم توثيقها في قوالب غنائية تصدى لها كبار المطربين الشعبيين بالإمارات.
ويشير المزروعي إلى أن اسم حمد بن سوقات ذاع في فضاء الشعر الشعبي، بجانب شقيقه الكبير والمعروف بقوة وجزالة قصائده، وهو الراحل محمد سوقات - رحمه الله - وكان للشاعرين للشقيقين حضور بارز في الساحة الشعرية منذ السبعينيات وحتى أواخر التسعينيات الماضية، وذلك بسبب مساهمتها الكبيرة في إثراء الأغنية الشعبية الإماراتية وتطويرها، وغناء الفنان الرائد «علي بن روغة» للكثير من قصائدهما، كما غنى قصائد حمد بن سوقات العديد من المطربين المعروفين، أمثال: ميحد حمد، ورجاء بلمليح، وأريام، ورنا فاروق، وفاطمة زهرة العين، وآمنة، وشهاب حمد وغيرهم.
وقد جرت بين الشاعرين الشقيقين الكثير من الردود والمساجلات غلب عليها الطابع الفكاهي، ولم تخل هذه المساجلات من النقد والعتب والشكوى، حيث حاول كل طرف إثبات وجهة نظره إزاء المواضيع والقضايا الاجتماعية المثيرة للجدل، ومن أشهر القصائد التي شهدت سجالاً طويلاً بينهما قصيدة «بصّ العيايز» والمقصود بالعنوان الحافلة التي تستقلها الأمهات والجدات للذهاب إلى مدارس محو الأمية، الأمر الذي شغل الناس في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات الماضية، وحظي بمساحة واسعة من النقاش الاجتماعي وقتها.
حيث يقول الشاعر الراحل محمد بن سوقات في مقتطفات من قصيدة «بصّ العيايز» ما يلي:

«بص العيايز مرّ مشحون
يتعلّمن كتبه وقرايه
الكبار ما يحتاج يقرون
عيالهم عنهم كفايه
عيالهم باتوا يصيحون
وحق الريل قالوا برايه»

فيرد عليه شقيقه «حمد بن سوقات»، قائلاً:

«يا ذا الأخو كدّرت مزيون
من ها الحكي غثّيت باله
العلم للكبار مسنون
ولا خير في راعي الجهاله
لي ما تعلّم ذاك مغبون
هاذاك لي يرثى لحاله»

ويكشف اجتماع الناس في تلك الفترة الزاهية على هذه السجالات الشعرية وتداولها بينهم، عن مدى أهمية القصيدة الشعبية في إثارة الحراك الاجتماعي، ولعبها لدور إعلامي فاعل، جعل من الشرائح المجتمعية مشغولة بها لفترة طويلة، كما تداخل شعراء آخرون في تغذية هذا السجال ورفده بالرؤى والاقتراحات الإيجابية لتجاوز كل ما هو سلبي في القضايا المطروحة وإيجاد الحلول المناسبة لتجاوز عثراتها، وتجنّب تأثيراتها غير المستساغة في الوعي الجمعي.

مباراة في الشعر
من القصائد الشهيرة التي دارت بين الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيب الله ثراه - وبين نديمه الشاعر حمد بن سوقات تلك التي يقول فيها الراحل الكبير:
«ييت مثل الشمس متبادي 
 يا شفا روحي من العلّه
آه يا من بدّه سهادي
مرّ ليله ما غضا كلّه
يا «حمد» عوقي أنا زادي
 نشف ريجي ما شي يبلّه
ثيبني يا نسل ليوادي 
 لايفوت بْيِهْ العمر كلّه»

فيردّ عليه بن سوقات، قائلاً:
«مرحبا يا حيّ لنشادي 
حيّ نظم الجيل في حلّه
مرحبا ما عدّ به شادي 
بلبلٍ يشدي بصوتٍ لهْ
قمت له بالواجب منادي 
انتظر وصفه وشَفْقٍ له
من أمير الشعر وسْنادي 
تاج فوق الراس باشلّه»

وفي قصيدة أخرى شهيرة في هذا السياق يلفت الشيخ زايد - طيب الله ثراه - نظر حمد بن سوقات إلى خفوت صوته الشعري وابتعاده عن قول القصيدة لفترة طويلة، طالباً منه العودة إلى النظم وإنعاش الوصل الشعري بينهما، قائلاً:
«يا حمد كيف اختفى صوتك
عقب ما أنت تِسْجَع الونّة
والمزامل قامت تفوتك
والهوى ترّكته وفنّه
لا تحرم النفس من زودك
كنت لوّل تلعي بصوتك
في طرب والودّ هاونّه
لا تحرم النَفْس من زودك
ولا تخلّي النفس في هنّه»

فردّ ابن سوقات على تلك القصيدة، قائلاً:
«مرحبا يا حي ببيوتك
لي لفت بأشعار موزونه
عدّ ما نسمع ندا صوتك
أو عدد اسمك يذيعونه»

  • ديوان بن سوقات تحقيق الدكتور راشد المزروعي
    ديوان بن سوقات تحقيق الدكتور راشد المزروعي

معان جليلة
استفاد الشاعر حمد بن سوقات من المفردات القرآنية التي حفظها منذ الصغر لإثراء معجمه الشعري وتطريزه بالمعاني الجليلة والعبارات المحكمة ذات الوقع التعبيري المدهش والمتميّز بجمعه بين الثقل والرهافة، وتوليفه بين البعدين الروحي والواقعي، وانشغاله بالنسق الجمالي في شقّيه الضمنيّ والعلنيّ، ومن القصائد الدالة على تأثره بالتعابير القرآنية تلك التي يقول فيها:
«نِعْس العيون وسُمْرْ لَهْداب 
 وأحداقهن كنهن غرابيب
خِمْصِ البطون الكنّس أكعاب
 أتراب في سنهن ولا ريب»
وفي قصيدة أخرى يقول:
«الله سِمَح في الآية
الوجه والكفّين
واليوم عكس الآية
ما شي منها يبيِن»
تناول الشاعر حمد بن سوقات في قصائده العديد من الأغراض والمواضيع والأشكال التعبيرية، والتي توزعت بين المدح والاجتماعيات والغزل وشعر الونّة، ويشغل شعر ابن سوقات الغزلي الجانب الأكبر من رصيده الإبداعي، والوفرة هنا لا تقلّل من الامتياز النوعي في البناء والتركيب والمزج بين الخيال الشعري والموضوع الخارجي، وبين رغبات الأنا، ولزوميات الآخر، وبين مركزية «الدالّ» واتساع «المدلول»، ومن القصائد الغزلية الشهيرة لحمد بن سوقات والفائضة بسحرها اللفظي، وبعدها الجمالي، تلك التي يقول فيها:
«شفت ريمٍ مالي العودي 
 شطّني حبّه ولا رافي
يا الظنا يا معدن اليودي 
 لا تخلّيني على الجافي
ما تحمّل صبر وصدودي 
 والهجر سبّب لي اتلافي
ما اهتني بالنوم مسهودي 
 والخِلِي في نومه وغافي
روف بي يا سيّد الخودي 
 حيدني ما سرت بخلافي
إنتْ سيدي وإنتْ مقصودي 
 ذقت من فرقاك الاكلافي»

ترحيب بالثقافات 
ولد الشاعر حمد بن أحمد بن سوقات الفلاسي في مدينة دبي نهاية العشرينيات من القرن الماضي، ونشأ في بيت تتزاحم فيه المعارف والعلوم، وتتشكل فيه ملامح الشعر وسمات القصيدة ضمن بيئة جغرافية ومعيشية امتازت بالحيوية والانفتاح والتسامح والترحيب بالثقافات المجاورة والاستفادة من خبرات الآخرين وتجاربهم الطويلة في نواحي الحياة المختلفة، كما تأثر في بداياته الشعرية بقصائد القامات وأصحاب الحظوة في فضاء الشعر النبطي، أمثال: خلفان بن يدعوه، ومحمد بن زنيد، وسالم الجمري، كما تأثر بالأسلوب الشعري العالي في بنائه ونظمه وتزويقه والذي امتاز به شقيقه محمد بن سوقات، الذي كانت له صولات وجولات مشهودة في الساحة الشعرية بالدولة.