لولوة المنصوري

من شأن الوحدة أن تحتفي بنفسها، كأولوية نصٍ مسافر عبر أسئلة الحياة المعلّقة والساخرة والبعيدة عن مسلماتها الحقيقية، ينأى النص بنفسه عن كل التوصيفات والتصنيفات المعروفة، بجرأة وانفلات حرّ، لا يلتفت لشكل تأطيري أو حيزٍ فني، سابحاً في الفلك الدوّار ومجال الكتابة الوحدوية المتحررة من إطارها وتوابعها واشتقاقاتها.. هكذا أرى الكاتب الإماراتي عبد الرحمن الحميري في ولاية وحدته وأولوية أرضيته البِكر التي انطلق منها مغامراً ومستشرفاً غاية نص مفتوح بعيد المدى، لا مبالياً بانتماءات الشعر أو نداءات آليات السرد، وإنما انتقى مسارَ النص البرزخيّ، الخارج من سياق تقاليد الكتابة وصنميات الأنواع:
«قشعريرتك.. 
وأنت تكتب نصاً ما، 
هي جمهورك الأول» ص: 104
 لا أجمل من مرحلة التجريب والبدء بتحرير النص الأول من كل الفوارق والتصنيفات الموضوعة، والإحساس الطبيعي ببراءة الكلمة وطيشها، بعفويتها وجموحها، قبل أن يكون هناك قرار بخلق البوصلة الأدبية. 
«لو تمثلت نصوصي 
على هيئة بشرية 
لكانت فتاة تمشي في نومها 
وهي تُشير إلى مكانٍ بعيد» ص: 106
أقول في نفسي: لعل جوهر نصوصه ينتمي لحقل المنام والمشي اللامنتهي في الأحلام، ونحن نراها متسعة برحابة لغة سهلة وفريدة في الآن نفسه تعبّر عن إحساسات مبدِعها، وتُلهم القارئ بالتوقف عند بعض المفاجآت، عند كل لفتة إشارية، تعبيرية مكثفة، حاضنة بحساسية عالية لروح الفكرة الشعرية.
 ثم أعاود التأني في النظر إلى البناء، وأقول: لعلها نصوص الجدل.. جدل (اللا انتماء) إلى أي بناء في الحياة: 
«أحبّ أن أكتب نصّاً كهذا 
إذْ لا أعرف إلى أين يذهب بي 
ولا إلى أين يذهب بكم 
مثل شريان مفتوح 
ودماءٍ تسيل بعد موسيقى
في خيال المشاهدين 
وأحب أن أصدّق
أنّ بُعداً جديداً خلِق قبل قليل
بوابة نجمية عبرناها بثمالة واستسلام 
وجميعنا متورطون في هذه الرحلة العبثية 
التي بدأت بفيل سعيد». ص:46
 الكاتب الحميري يملك ذكاءً رهيفاً في التقاط التفاصيل الهامشية في الحياة، لتبدو منتعشة ولافتة داخل نص لا ينتمي للنوازع المقسمة في الأدب، ولا يرتكن لنسق معياريّ، وإنما يخرج من الدوائر الكلية للمواضع، ويلتقي بتلك الجوهرة: «شعرسردية» والتي بإمكاني التعبير عنها بما يلي: أن يملك الكاتب عيناً ماكرة قادرة على احتضان المعنى العبثيّ الشعري في الذاكرة الممتدة/‏‏‏ أو في سيرورة الأحداث المتدافعة داخل عصر عولميّ، وتكثيفها بين حنايا فضاء سرديّ حُرّ، بسيط وعميق في آن، وجوديّ وطريف ولاسع وحساس في رؤيته للأشياء وتذوق المعنى، ثم يلتقي في النهاية بباطن السرد، عبر سكب عذوبة العبث وحيلة الألم وجماله، من خلال مجاراة خطاب أقرب للنثر الفنيّ المختزل.
تأتي نصوص «الأولوية للوحيدين» كوجهات حوارية للذات الساخرة، ناطقة في فضاء سردي مشاغب وحاضر بتلقائية، حيث لا تخلو أغلب النصوص من بداية هذيانية حميمة، لتنتهي على وهج مخالف لما سطع في الذهن، ولذا يمكنني أيضاً أن أصطلح عليها بـ«سردية الشرود والسّهو» واللحظة الخاطفة أمام فيضان الحيوات المتنقلة: «تاريخ الشرود أو ربما تكون ورطة مدهشة، أو رحلة عبثية، أو خلوة مستحيلة، أو سمّها أيها القارئ ما تشاء،...»، دون أن ترغم النصوص على الدخول في التأطير، أو تقحمها ضمن حيز نقديّ ضيق وقراءة أولية مُسْتعجلة توقف المد الحماسيّ الهائل لكاتبها.. اتركها في الدور العلوي المتاح ليقظة التأويل، في عالم لا يكتفي بالإجابات السهلة والقصيرة والمُحرجة.
الأولوية هنا للوحدانية المتجردة، للنظر داخل عين النص، وإدراك وجود الوحدة الجوهرية وعالم الوحيدين في كل جزيء لفظي متشظٍّ، بسيط وبالغ الإيحاء في آنٍ واحد.