إبراهيم الملا 

«طير الحمامي / هيّج غرامي
هايم هيامي / و الشوق غلاّب
هزّعت فنّي / يا طير منّي
و لا كان ظنّي / تطريلي احباب
ذكّرتني به / لي اعتني به
حبّ و حبيبه / و الشوق جذّاب
ولفٍ يِحبّه / قلبي و لبّه
و يذوب صبّه / كالشمع لي ذاب»

يؤكّد الشاعر الإماراتي محمد هاشم الشريف في أغلب قصائده على الميل الواضح تجاه الشكل الغنائي، فهو يحبّذ الإيقاع السريع، واختيار المفردات ذات الطاقة اللفظية النشطة، والمتحركة في حيّز ديناميكي ومتفاعل مع اللحن المتكرّر والقصير، ما يخلق في النهاية فضاءً سمعياً محبّباً وجاذباً للمتلقي، وفي القصيدة أعلاه التي أداّها المطرب الإماراتي القدير «ميحد حمد»، يستمّد الشريف موضوع القصيدة من ميراث الشعر النبطي المحلي، والتي يتم فيها مخاطبة طائر الحمام للمناجاة والمناداة، خصوصاً في مطالع القصائد النبطية ذات المنحى الغزلي، في بحثها عن طرف مقابل، حتى لو كان افتراضياً، لإدارة ما يشبه الحوار الذاتي وبثّ الشكوى، مع اختلاف بعض مسميات هذا الطائر، باختلاف أنواعه، مثل «الراعبي» أو «الجمري» أو «طير شامي» أو «حمام الدوح» وغيرها من المسميّات التي يتسع لها مجال المخيّلة الشعبية ويستفيض في وصفها.

ونستحضر هنا القصيدة الشهيرة للشاعر الكبير «راشد الخضر» والتي يقول فيها: 

«طير شامي حلّ في سمره /‏‏ يوم طار السمر هو شلّه
عقّ لي وسط البحر يمره /‏‏ واحترق ذاك البحر كلّه» 

وفي قصيدة أخرى يخاطب فيها طائر «الجمري» يقول الخضر: 

«هجهجت يا الجمري البلبال /‏‏ ورّقتني يوم الملا ذْهولْ
وش حلّ بك من دهر لعضال /‏‏ وادعاك دوم تنوح معلول
قال الهوى حزنٍ وغربال /‏‏ من فقد وِلْف صويحب المُول
قلت: افتريت وقلت لمحال /‏‏ نفسك تحمِّلها حمل تُول
لو بك حزن ما لبست لشكال /‏‏ ثوبك حرير مرنّق يذولْ»

يتّخذ الشريف من «طير الحمام» في بداية قصيدته، صورة وأمثولة تتّصل بالمحبوب مباشرة، فهو الكيان البديل والحاضر للشكل الحقيقي الغائب، فرؤية الجمال الفاخر لهذا الطائر، ومعاينة أوصافه وسلوكياته وغنجه وممانعته، تحيل الشاعر وبشكل فوريّ إلى منطقة الذاكرة وتجليّات العشق فيها، «هزّعت فنّي، يا طير منّي، ولا كان ظنّي، تطريلي أحبابي، ذكرتني به، لي أعتني به»، ففي داخل هذه المفردات المتزاحمة إيقاعياً، يكشف لنا الشريف عن إيقاعات قلب متلهّف وسريع الخفقان، ومضطرم الأشواق، وهذا التمازج بين اللهفة الداخلية الحارقة، وطريقة التعبير عنها، هو أسلوب طاغ في شعر الشريف، ويبيّن لنا قدرته الخاصة، موهبته المتميّزة في توليف قصائد نابضة ومشوّقة في أفقها السردي المكثّف والناقل بدقّة لتفاصيل الهوى، ومكابدات العشق، وثنائيات الوصل والهجران. 
يكمل الشريف قصيدته قائلاً:

«ادعج خدلّج /‏‏ و امدملج ادلج
واغنج وابلج /‏‏ شمسٍ عالغياب
و خشمٍ اتورّد/‏‏ سيفٍ امهنّد
و خدٍ امورّد /‏‏ جوري وعنّاب
ليته درابي /‏‏ و عانى صوابي
أنا المُصابي /‏‏ في دنية اغراب»

يأخذنا الشريف في هذه المقاطع الزاهية إلى لعبة طباق وجناس وتوافق وتغاير بين اللفظ والمعنى، مستمدّاً من ميراث الشعر النبطي بالإمارات الكثير من ظواهره القائمة على الإبهام والترميز والتفنّن في تطريز القصيدة بالكلمات المتناسقة في إيحاءاتها والمتشابهة في قالبها اللفظي، والتي تمنح القصيدة طابعاً ملغزاً، ومطرباً للسمع في ذات الوقت، ضمن قالب تعبيري مدهش يؤكّد عمق وسعة الاطلاع الشعري ووفرة المخزون اللغوي لدى الشريف، فمفردات مثل: «ادعج خدلّج، وامدملج ادلج، واغنج وابلج» يصعب وضعها في سياق واحد، ويصعب أيضاً دمجها في المتن الشعري بهكذا اتزان وتوافق، ويُظهر هذا الأسلوب ظلال وتأثيرات الشاعر راشد الخضر مرة أخرى على تجربة «محمد الشريف» لاستناده هنا على قصيدة الخضر المعروفة: «خدلّج» والتي يقول فيها، «خدلّج خدّج اللي كالسِفرجلّ /‏‏ سفر شمس وسفر بدر وسِفَر جلّ»، وما يميّز شعر الشريف براعته في الوصف واقتناصه للتفاصيل الهامشية التي يمكن استثمارها لصالح التنويع البصري في القصيدة، حيث نلحظ في قصيدته هذه كثافة التشبيه والاستعارة والكناية ضمن مسار محتشد بالصور الموحية والمشاهد المعبرة، والتي تستقي من الصفات المُلفتة للمحبوب: «خشم اتورد، سيف امهنّد، خدّ مورّد، جوري وعناّب»، وهذه الصفات الجمالية تبدو في ظاهرها وكأنها غاية القصيدة، بينما هي في الأصل وسيلة لتجسير علاقة شابها الاختلال والنأي والبعاد، وحان الوقت لترميمها وتجاوز عثراتها، حتى تعود مياه الوصل النقية إلى مجراها دون شائبة ولا كَدّر.

  • حاكم الشارقة يكرّم الشاعر محمد الشريف
    حاكم الشارقة يكرّم الشاعر محمد الشريف

البدايات
ولد الشاعر محمد هاشم الشريف في منطقة «مصفوت» التابعة لإمارة عجمان، وأسّس لحضوره الشعري في أواسط السبعينيات من القرن الماضي من خلال مشاركته في البرامج المرئية والمسموعة المهتّمة بالشعر النبطي، خصوصاً أن الفترة المرتبطة بالسبعينيات والثمانينيات كانت فترة زاهية اجتمع فيها أبرع شعراء المكان، وأكثرهم تميّزاً واقتراناً بذروة عطائهم الإبداعي، وكانت للشريف حظوة خاصة في هذه المجالس الشعرية بسبب موهبته في صياغة «الشلّات» بصوته الرخيم، وحسّه المرهف، وعطائه المتواصل، كما برع في توليف القصائد الغنائية بأسلوبه السهل الممتنع الذي دفع العديد من المطربين المشهورين في تلك الفترة إلى التعاون معه، وفي مقدمتهم الفنان علي بن روغة، والفنان ميحد حمد، بينما تعاون معه في التسعينيات وبداية الألفية الجديدة مجموعة مهمة من المطربين والملحنين الشباب من الجيل الثاني، أمثال: الفنان حسين الجسمي، والمطرب والملحن فايز السعيد، حيث غنّى له الجسمي أهم أعماله المساهمة في تأكيد حضوره الفني في المنطقة، كأغنية: «بحر الشوق لطّامي» وأغنية: «أنا الشاكي، أنا الباكي»، والعديد من الأغاني الأخرى التي أهّلت الشريف للريادة في هذا المجال، باعتباره العارف بأسرار ومتطلبات الشعر الغنائي، بمواضيعه، وصياغاته، وخطاباته الوجدانية القادمة من الذاكرة من الشعبية، والمتآلفة مع الإيقاع الحديث والمعاصر.

بعد إنساني
اشتهر الشريف بقصائده الوطنية ذات البعد الإنساني المفعم برائحة الأرض ولون الماضي وروح التفاؤل تجاه المستقبل، مستنبطاً روافده الشعرية من جمال البيئة المحلية وتنوعها واشتمالها على صنوف الحنين للأيام الفائتة، ومجاراة الظروف الراهنة، واستشراف ما هو قادم برؤية شفّافة وطامحة لما هو أفضل.

برامج
ساهم الشاعر محمد الشريف في الارتقاء بالعديد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية المتعلقة بفنون الشعر المحلّي، وذلك من خلال المشاركة فيها وإدارتها وتقديمها، مثل برنامج: «مجالس شعبية» في تلفزيون أبوظبي، وبرنامج مجلس شعراء المنطقة الشرقية بمدينة العين، وبرنامج مجلس شعراء الإمارات الشمالية، وبرنامج «أضواء على التراث» في إذاعة أبوظبي، وتعكس هذه المشاركات العديدة أهمية المبادرات الفردية في ضخ الحماس الجماعي تجاه الأدب الشعبي، للحفاظ عليه أولاً كإرث حضاري يترجم القيم الإنسانية والجمالية في المجتمع، وثانياً لأن مثل هذه البرامج الشعرية الجماهيرية توثّق لخصوصية المكان، وتنمّي الذائقة الفنيّة، وتصون جانباً مهماً من التراث المحلّي في أفقه المعرفي والإنساني، قبل أن يتخطّفه النسيان، وقبل أن يتراجع حضوره وتأثيره لدى الأجيال القادمة.

مشاركات مهمة
كانت للشريف مشاركات مهمة في العديد من الأمسيات الشعرية، والمهرجانات المعنية بإحياء هذا الجانب الإبداعي وتوقيره والاهتمام برواده، حيث حظي الشريف بتكريم يستحقه في الدورة الثالثة عشرة من مهرجان الشارقة للشعر الشعبي، وخصصت له ندوة حينها تناولت مسيرته الحياتية والإبداعية في كنف تجربة طويلة وممتدة أثبت خلالها الشريف قدرته اللافتة على صياغة قصائد مقيمة في الذاكرة الجمعية، متّصلة بشغف لا ينقطع، وباتّزان يربط نداءات الماضي بلزوميات الحاضر.

مشروع حياة
يذكر الدكتور منصور جاسم الشامسي في دراسة له حول الأسلوب الشعري لمحمد الشريف، أنه شاعر يعتمد الشعر كمشروع حياة وعامل تأثير في مجتمعه على أكثر من صعيد ثقافي وتنويري، من خلال مجموعة التأثيرات الفكرية والاجتماعية والثقافية على نطاق الفرد والمجتمع، كما أنّ وجود الشاعر الشريف في فترة كانت حافلةً بالإبداع والصوت القويّ، هو وجود اتسّم بالفاعلية الإيجابية المعزّزة بمساهمات كوكبة من الشعراء المخضرمين من ذوي الباع والأثر في القصيدة النبطية الإماراتية، من أمثال: راشد الخضر، وأحمد الكندي، وعوشة السويدي، إضافةً إلى تأثّره بأخيه الشاعر صالح الشريف.
ويضيف الشامسي، في دراسته تلك، أن فنّ المساجلة كان له دور ملموس في صقل وتطوير التجربة الشعرية لمحمد الشريف، وهو فنّ ماتع جعله يدرك ما للشعر من أثر في صياغة تمظهرات الحياة والتعامل الإنسانيّ مع الآخر، ضمن حلم جميل كان يعيشه الشاعر الذي ساجل شعراء كثر، منهم كميدش بن نعمان الكعبي وخليفة بن حماد، وغيرهما.
ويرى الشامسي أن توفّر عنصر الرومانسيّة لدى الشاعر الشريف، أعطاه آفاقاً أرحب وفضاءات أوسع، فكان شعره الغنائيّ تماماً «كالعطر الفواح، يحتوي على لوعات الاحتراق، وولع النفس، وإشراقات النفس المعذّبة، ووقع حالات الجفاء، وتجليات الوجد، وتولّه الأفئدة، والبذل اللامحدود في ميدان العشق، وخُطى الولهان في مسيرة الحُبّ، وحالة التوحد مع المعشوق، والتماهي مع شريك النفس وضيف الجوارح».
وتتصف القصيدة المغنّاة لدى الشاعر الشريف - كما تشير الدراسة - بسهولة ألفاظها الخالية من التعقيد والمليئة في الوقت ذاته بالدفق العاطفي والسهولة في قبولها من الفنانين والجمهور الذين يشكلون بطبيعة الحال امتحاناً حقيقياً للفنان ولكاتب كلمات القصيدة المغناة من الأساس وهو الشاعر، فقصيدة مثل «تلاقينا معه صدفة»، بصوت الفنان علي بن روغة، تضعنا في مناخ حسّي مرهف لا يحتاج عناءً في الوصول إلى قلب المتلقي ووجدانه، وهي قصيدة تكتنز بأروع التصاوير الفنية وأعذبها وتمتاز بالوصف الدقيق وبناء المشهد والحوار، تقول كلمات القصيدة:

«تلاقينا معه صدفة ويا محلا الصدف ويَاه
وسلّمنا ورحّب وأثنى بالترحيب وتبسّم
تكلمنا وردّ وقال ألا يا حيّ من شفناه
بلا وعدٍ مضى منّا ولكنّا بعد نعلم
ورد مْصد يا محلاه كأن البدر بمحياه
عليه ميدّل ٍ كنّه سواد الليل لي أظلم»

كما توضح الدراسة الخاصة بالأسلوب الفني في قصائد الشريف، أن أغلب قصائده تتصف بروعة البناء وسلاسة البحور الموسيقية، ومن قصائده المغنّاة قصيدة وطنيّة رائعة في بنائها وقوية في مشهدياتها وصورها الفنية، حيث يقول:

«سرى بارقٍ من مغيب الشمس في المزون
هبوبه يسوق السحب والمزر بمزونه
سقى دولة اهل العز واهل الكرم والعون
إمارات فخرٍ في ذرى المجد مصيونة»